قوله تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة }
والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت } فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فإذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك ، ونظير هذه الآية قوله : { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا } والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرئ { مشيدة } قال صاحب «الكشاف » : من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها .
قوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فإن أصابوا واحة وغنيمة قالوا : هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها ؛ الأول : قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى : { وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند الله { وإن تصبهم سيئة } جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } وعن قوم صالح : { قالوا أطيرنا بك وبمن معك } .
القول الثاني : المراد من الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة ، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي : والقول الأول هو المعتبر لأن إضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول : القول كما قال على مذهبه ، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره .
المسألة الثانية : اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية ، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } وقال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وإن تصبهم حسنة } يفيد العموم في كل الحسنات ، وكذلك قوله : { وإن تصبهم سيئة } يفيد العموم في كل السيئات ، ثم قال بعد ذلك : { قل كل من عند الله } فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله ، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله ، وهو المطلوب .
فإن قيل : المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ، ويدل عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما . الثاني : أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني ، إنما يقال أصبتها ، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا ، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية ، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال إن أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة ، وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة ، فيمتنع كون الطاعة مرادة ، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا .
فالجواب عن الأول : أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ .
والجواب عن الثاني : أنه يصح أن يقال : أصابني توفيق من الله وعون من الله ، وأصابه خذلان من الله ، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة ، ومن الخذلان تلك المعصية .
والجواب عن الثالث : أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فإن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة ، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك ، فزال السؤال . فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، والممكن لذاته كل ما سواه ، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع ، وحينئذ يلزم نفي الصانع ، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر ، فإذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستندا إلى الله ، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات ، فإن الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية ، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى ، وهو قوله : { قل كل من عند الله } .
ثم قال تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستندا إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء ، قال تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره . قالت المعتزلة : بل هذه الآية دالة على صحة قولنا ، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى البتة ، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها ، وذلك يبطل هذا التعجب ، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بإيجاد العبد لا بإيجاد الله تعالى .
واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم ، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : أجمع المفسرون على أن المراد من قوله : { لا يكادون يفقهون حديثا } أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع ، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث ، والحديث فعيل بمعنى مفعول ، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا .
والجواب : مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات ، ونحن لا ننازع في كونها محدثة .
المسألة الثالثة : الفقه : الفهم ، يقال أوتى فلانا فقها ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : «فقهه في التأويل » أي فهمه .
هنا تجيء اللمسة الأخرى . اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة ، والأجل والقدر ؛ وعلاقة هذا كله بتكليف القتال ، الذي جزعوا له هذا الجزع ، وخشوا الناس فيه هذه الخشية !
( أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولو كنتم في بروج مشيدة ) . .
فالموت حتم في موعده المقدر . ولا علاقة له بالحرب والسلم . ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته . ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن ؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده . .
هذا أمر وذاك أمر ؛ ولا علاقة بينهما . . إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل . بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد . . وليست هنالك علاقة أخرى . . ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال . ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال !
وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر ؛ وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر . .
إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبه ووقاية . . فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر . وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف . وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة . . ولكن هذا كله شيء ، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر . . إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع ، وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير الله . . وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يطاع ؛ وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير الله . .
توازن واعتدال . وإلمام بجميع الأطراف . وتناسق بين جميع الأطراف . .
هذا هو الإسلام . وهذا هو منهج التربية الإسلامي ، للأفراد والجماعات . .
وبهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين . ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي ، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها . . هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه ، ولا فصل ، ولا وقفة تنبى ء بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى ، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى . . ولكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها :
( وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله . وإن تصبهم سيئة يقولوا : هذه من عندك ! قل : كل من عند الله . فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ ! ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك . وأرسلناك للناس رسولا . وكفى بالله شهيدا . من يطع الرسول فقد أطاع الله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا ) . .
إن الذين يقولون هذا القول ، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله ، وما يصيبهم من الضر إلى النبي [ ص ] يحتمل فيهم وجوه :
الوجه الأول : أنهم يتطيرون بالنبي [ ص ] فيظنونه - حاشاه - شؤما عليهم . يأتيهم السوء من قبله . فإن أجدبت السنة ، ولم تنسل الماشية ، أو إذا أصيبوا في موقعة ؛ تطيروا بالرسول [ ص ] فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله !
الوجه الثاني : أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول [ ص ] تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها . وقد يكون تكليف القتال منها - أو أخصها - فبدلا من أن يقولوا : إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال ، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر ! ويقولون : إن الخير يأتيهم من الله ، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول [ ص ] ومن أوامره . وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر !
والوجه الثالث : هو سوء التصور فعلا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة ، وعلاقته بمشيئة الله . وطبيعة أوامر النبي [ ص ] لهم ؛ وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى . .
وهذا الوجه الثالث - إذا صح - ربما يكون قابلا لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل ، يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية . ويقولون : ( ربنا لم كتبت علينا القتال ؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) . . غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى . . تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها . وهذا الوجه الثالث منها . .
إن القضية التي تتناولها هذه الآيات ، هي جانب من قضية كبيرة . . القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم " قضية القضاء والقدر " أو " الجبر والاختيار " . . وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس ؛ ثم في الرد عليهم ، وتصحيح تصورهم . والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض . . فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم :
وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله . وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . قل : كل من عند الله . فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ . .
إن الله هو الفاعل الأول ، والفاعل الواحد ، لكل ما يقع في الكون ، وما يقع للناس ، وما يقع من الناس . فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا . ولكن تحقق الفعل - أي فعل - لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر .
فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة ، وإيقاعها بهم ، للرسول [ ص ] وهو بشر منهم مخلوق مثلهم - نسبة غير حقيقية ؛ تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع .
إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير ؛ بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقق الخير . ولكن تحقق الخير فعلا يتم بإرادة الله وقدره . لأنه ليست هناك قدرة - غير قدرة الله - تنشى ء الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع . وإذن يكون تحقق الخير - بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتجاه الإنسان وجهده - عملا من أعمال القدرة الإلهية .
وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء . أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء . ولكن وقوع السوء فعلا ، ووجوده أصلا ، لا يتم إلا بقدرة الله وقدر الله . لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوة الله .