مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (71)

قوله تعالى { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون }

اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان ، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا وفهما يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يستيسر له ذلك ، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلا وفهما تنفتح عليه أبواب الدنيا ، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله ، لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } وقال الشافعي رحمه الله تعالى :

ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح ، وهذا بحر لا ساحل له ، وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار ، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه ، وكانت النجائب الكثيرة تقاد بين يديه ، وما كان يمكنه ركوب واحد منها ، وربما حضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعاما ، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه .

أما قوله : { فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } ففيه قولان :

القول الأول : أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم . وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى ، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلا وأقوى جسما وأكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال : { تعز من تشاء وتذل من تشاء } .

والقول الثاني : أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا لله تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل : إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن عيسى ابن مريم ابن الله ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولدا لي وشريكا في الإلهية ؟

ثم قال تعالى : { فهم فيه سواء } معنى الفاء في قوله : { فهم } حتى ، والمعنى : فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك .

ثم قال : { أفبنعمة الله يجحدون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { يجحدون } بالتاء على الخطاب لقوله : { خلقكم وفضل بعضكم } والباقون بالياء لقوله : { فهم فيه سواء } واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه ، وأيضا فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة الله تعالى .

المسألة الثانية : لا شبهة في أن المراد من قوله : { أفبنعمة الله يجحدون } الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم .

فإن قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟

قلنا : فيه وجهان :

الوجه الأول : أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شريكا فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى ، وأيضا فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم ، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى .

والوجه الثاني : قال الزجاج : المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق ، فعند هذا قال : { أفبنعمة الله } في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه البينات { يجحدون } .

المسألة الثالثة : الباء في قوله : { أفبنعمة الله } يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول : خذ الخطام وبالخطام ، وتعلقت زيدا وبزيد ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (71)

70

{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون } .

شاءت حكمة الله تعالى ، أن يجعل بعض الناس واسع الأرزاق ، وبعضهم قليل الرزق ، وبعضهم بين بين ؛ لحكمة يعلمها ؛ حتى يستفيد الغني من عمل الفقير ، ويستفيد الفقير من مكافأة الغني .

قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير }( الشورى : 27 ) .

ومن الأمثال المشهورة : إذا كنت أمير ، وأنا أمير ، من يسوق الحمير .

إن هذا التفاوت بين الناس في المواهب والأرزاق ، سنة إلهية ، حيث قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس . . . } ( الحج : 75 ) .

وقال سبحانه : { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم }( البقرة : 247 ) .

ويذكر بعض المفسرون : أن نعم الله متعددة ، فالعلم ملك ، والخلق ملك ، والحكمة ملك ، والمال ملك ، وسائر العطايا والمواهب ، يعطي منها الوهاب بغير حساب .

قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء }( آل عمران : 26 ) .

{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق . . . } . أي : من الناس الأغنياء ومنهم الفقراء ، ومنهم العلماء ومنهم الجهلاء ، ومنهم المملوك ومنهم المالك ، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب ، فكثيرا ما ترى العبقري النابه ، لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد ، بينما ترى الأحمق يتقلب في النعيم ، كأنما يغترف الرزق من خليج البحر .

قال سفيان بن عيينة :

كم من قويٍ قويٌ من تقلبه *** مهذب الرأي عنه الرزق منحرف

ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط *** كأنه من خليج البحر يغترف

ويقول آخر :

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة *** وصيّر العالم النحرير زنديقا

لكن لله حكمة خفية في كل أعماله ، فقد يكون كثرة الرزق ابتلاء واختبارا ، وقد يكون الفقر اختبارا وابتلاء ، وقد تكون للإنسان مواهب قوية ، لكن موهبته في تثمير المال محدودة ، وقد يكون الإنسان ضعيف الحيلة في أمور كثيرة ، لكن موهبته في استثمار المال عالية .

وفي الحديث القدسي : ( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ولو أفقرته ؛ لساء حاله ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ولو أغنيته ؛ لساء حاله ) .

{ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء . . . } . أي : إن الأغنياء والأثرياء ، والمالكين للخدم والعبيد ، لا يوزعون ثروتهم على العبيد والخدم ، حتى يتساووا جميعا فيما يملكون ، بل يحافظون على أموالهم وأملاكهم ، ولا يعطون أتباعهم وخدمهم منها ، وإن أعطوهم أعطوهم النذر اليسير من المال ، وأمسكوا المال في أيديهم ، إذا كان هذا شأن العباد مع بعضهم ، فكيف يشركون مع الله معبودات أخرى من مخلوقاته ، ويجعلونهم شركاء لله في الألوهية .

قال العوفي : عن ابن عباس في هذه الآية يقول :

لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معي عبيدي في سلطاني . .

جاء في تفسير ابن كثير :

يقول تعالى منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى ، بمساواة عبيد له في الألوهية والتعظيم ؟ ! .

كما قال تعالى في آية أخرى : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم . . . }( الروم : 28 ) .

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله :

{ أفبنعمة الله يجحدون } . أي : أينعم الله عليهم بالمال والجاه والخلق والرزق ، ثم ينسبون هذه العطايا إلى غيره ، فيجحدون نعمة الخالق الرازق الذي بيده الخلق والأمر ، والهمزة هنا للاستفهام الإنكاري ، والفاء معطوفة على مقدر ، أي : أيشركون به سبحانه فيجحدون نعمه وينكرونها ويغمطونها حقها ، مع أنه تعالى هو الذي منحهم هذه النعم ، وتفضل عليهم بالأرزاق .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (71)

شرح الكلمات :

{ فضل بعضكم على بعض في الرزق } : أي : فمنكم الغني ومنكم الفقير ، ومنكم المالك ومنكم المملوك .

{ برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } : أي : بجاعلي ما رزقناهم شركة بينهم وبين مماليكهم من العبيد .

المعنى :

/د71

فقوله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } ، فمنكم من أغناه ، ومنكم من أفقره أيها الناس ، وقد يكون لأحدكم أيها الأغنياء عبيد مملوكين له ، لم لا يرضى أن يشرك عبيده في أموال حتى يكونوا فيها سواء ، لا فضل لأحدهما على الآخر ؟ والجواب أنكم تقولون في استنكار عجيب : كيف أسوي مملوكي في رزقي ، فأصبح وإياه سواء ؟ هذا لا يعقل أبداً ، إذا كيف جوزتم إشراك آلهتكم في عبادة ربكم ، وهي مملوكة لله تعالى ؛ إذ هو خالقها وخالقكم ، ومالك جميعكم ؟ فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون ؟ وقوله تعالى : { أفبنعمة الله يجحدون } ؟ حقاً إنهم جحدوا نعمة العقل أولا ، فلم يعترفوا بها ؛ فلذا لم يفكروا بعقولهم ، ثم جحدوا نعمة الله عليهم في خلقهم ورزقهم ، فلم يعبدوه بذكره وشكره ، وعبدوا غيره من أصنام وأوثان لا تملك ولا تضر ولا تنفع . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 71 )

الهداية :

- قطع دابر الشرك في المثل الذي حوته الآية الأولى : { والله فضل بعضكم على بعضٍ في الرزق } .