مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

{ ولما ورد ماء مدين } وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئرا فيما روي ، ووروده مجيئه والوصول إليه { وجد عليه } أي فوق شفيره ومستقاه { أمة } جماعة كثيرة العدد { من الناس } من أناس مختلفين { ووجد من دونهم } في مكان أسفل من مكانهم { امرأتين تذودان } والذود الدفع والطرد فقوله ( تذودان ) أي تحبسان ثم فيه أقوال . الأول : تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه . أحدها : قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي . وثانيها : كانتا تكرهان المزاحمة على الماء . وثالثها : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم . ورابعها : لئلا تختلطا بالرجال . القول الثاني : كانتا تذودان عن وجوههما نظرا الناظر ليراهما . والقول الثالث : تذودان الناس عن غنمهما . القول الرابع : قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب . { قال ما خطبكما } أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطبا كما يسمى المشئون شأنا في قولك ما شأنك { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه . أحدها : أن العادة في السقي للرجال ، والنساء يضعفن عن ذلك . وثانيها : ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير . وثالثها : قولهما حتى يصدر الرعاء . ورابعها : انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء . وخامسها : قولهما : { وأبونا شيخ كبير } ودلالة ذلك على أنه لو كان قويا حضر ولو حضر لم يتأخر السقي ، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء ، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد . قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال ، وقرأ الباقون بضم الياء ، وكسر الدال فالمعنى في القراءة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد ، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير( 23 ) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ( 24 ) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين( 25 ) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين( 26 ) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين( 27 ) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل( 28 ) } .

المفردات :

ورد ماء مدين : وصل إليه .

تذودان : تدفعان وتمنعان غنمهما عن الماء ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فليذادن رجال عن حوضي ) أي : ليطردن ويمنعن

ما خطبكما : ما شأنكما ، قال رؤبة : " يا عجبا ما خطبه وخطبي " .

يصدر : من أصدر بمعنى أرجع ، أي : حتى يرجعوا مواشيهم .

الرعاء : جمع راع ، مثل : صاحب وصحاب ، وهو الذي يرعى الغنم .

التفسير :

23-{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } .

يسر الله الأسباب لموسى ، ووصل إلى أرض مدين ، مجهدا متعبا من سفر طويل ، جائعا محتاجا إلى المعونة والرعاية ، لكنه وجد على الماء جموعا كثيرة من الناس ، منهم من يروي إبله ، ومنهم من يروي غنمه ، والناس مشغولة بسقي الماشية ، في زحام يحتاج إلى قوة ومنافسة ، ووجد دون ذلك الزحام ، أو أسفل منه ، امرأتين تمنعان الغنم من الاختلاط بأغنام القوم ، وتحبسان الغنم عن ورود الماء ، فرقّ موسى لهما ، رغم إجهاده وتعبه ، وسألهما : ما شأنكما ، ولماذا تمنعان الغنم من السقيا ؟ فأجابتا : إنما يزاحم على السقيا الرجال الأشداء ، أما نحن فنساء متحفظات .

{ لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير }

من عادتنا أن نصبر حتى يسقي الرعاة أغنامهم وينتهي الزحام ، فليس من عادتنا مزاحمة الرجال ، بل نمتنع عن السقي إلى أن يفرغ الماء لنا ، فنسقي ، وأبونا شيخ كبير ، ضعيف عن سقي الغنم ، ولذلك اضطررنا أن نسقي الغنم بأنفسنا .

قال أبو حيان في البحر المحيط : فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما ، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره ، واستعطاف لموسى في إعانتهما .

اسم الشيخ الكبير

المشهور عند كثير من العلماء أنه شعيب عليه السلام ، الذي أرسل إلى أهل مدين .

وقال آخرون : بل كان ابن أخي شعيب ، وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب .

قال الآلوسي : والأخبار مختلفة ، ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيها .