بسم الله الرحمن الرحيم { الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }
في تفسير الآية وفيما يتعلق بالتفسير مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه الأول : لما قال الله تعالى قبل هذه السورة : { إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهرا غالبا على الكفار ظافرا طالبا للثأر ، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى : { آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ولا يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني : هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة { وادع إلى ربك } وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب ، لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال : { أحسب الناس أن يتركوا } الوجه الثالث : هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة { كل شيء هالك إلا وجهه } ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال : { له الحكم وإليه ترجعون } يعني ليس كل شيء هالكا من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله . إذا تبين هذا ، فاعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة فيها . فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه ، بل حسن التكليف ليثيب الشكور ويعذب الكفور فقال : { أحسب الناس أن يتركوا } غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم .
المسألة الثانية : في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي ، ولنقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول : الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه ، ثم يشرع في المقصود . إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفهوم ، كقول القائل اسمع ، واجعل بالك إلي ، وكن لي ، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد ويا زيد وألا يا زيد ، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه ، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه . ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم ، كان المقدم على المقصود أكثر . ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد ، والغافل ينبه أولا فيقال ألا يا زيد . إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات ، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى ، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما وقولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الإلتفات عنه . أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود ، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة ، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف ؟ فنقول عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز ، والله أعلم بجميع الأشياء ، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى :
{ الم ذلك الكتاب } { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب } { المص كتاب أنزل إليك } ، { يس والقرءان } ، { ص والقرءان } { ق والقرءان } ، { الم تنزيل الكتاب } ، { حم تنزيل الكتاب } إلا ثلاث سور { كهيعص } ، { الم أحسب الناس } ، { الم غلبت الروم } والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى : { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه ، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظا أو لم يكن ، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه ، وأيضا فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } وقوله : { سورة أنزلناها } وقوله : { تبارك الذي نزل الفرقان } وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } لأنا نقول جوابا عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى : { طه ما أنزلنا عليك القرءان } مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما ، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه : إنا كتبنا إليك كتبا إليك كتبا فيها أوامرنا فامتثلها ، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثاني أن قوله : { الحمد لله ، وتبارك الذي } تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي ، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح { سورة أنزلناها } قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل .
وأما قوله تعالى : { إنا أنزلناه } فنقول هذا ليس واردا على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله : { إنا أنزلناه } الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فكان متنبها له فلم ينبه ، واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } وقوله { يا أيها النبي اتق الله } { يا أيها النبي لم تحرم } لأنها أشياء هائلة عظيمة ، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها ، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن ، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني .
وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي فإن قيل مثل هذا الكلام ، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى : { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول الجواب عنه في غاية الظهور ، وهو أن هذا ابتداء كلام ، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال { أحسب } وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه ، وأما { الم غلبت الروم } فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الحروف .
المسألة الثالثة : في إعراب { ألم } وقد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع الوجوه المنقولة في تفسيره ونزيد ههنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة .
المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال : الأول : أنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة الثاني : أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون الثالث : أنها نزلت في مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر .
سورة العنكبوت مكية ، نزلت بعد سورة الروم ، وآياتها 69 آية ، وقد نزلت سورة العنكبوت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة قبل الهجرة ، وكانت هذه الفترة من أقسى الفترات ولذلك تعرضت السورة لتثبيت المؤمنين على الإيمان ، وبيان أن هناك ضريبة يدفعها المؤمن ، هي الفتنة والامتحان بالإيذاء أو بالإغراء أو بالوعد أو بالوعيد .
وتناولت قصص الأنبياء السابقين وجهادهم وبلاءهم ، ثم إهلاك الكافرين وانتصار المؤمنين ، وسميت سورة العنكبوت بهذا الاسم لتكرر ذكر العنكبوت فيها في قوله تعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } [ العنكبوت : 41 ] .
وفي المصحف المطبوع بالقاهرة والمتداول بين الناس نجد في عنوان السورة : سورة العنكبوت مكية إلا من آية 1 إلى غاية 11 فمدنية .
وقد رجحت اللجنة المشرفة على طبع المصحف الرأي القائل بأن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية ، وذلك لذكر الجهاد فيها ، وذكر المنافقين .
وعند التأمل يترجح لدينا أن السورة كلها مكية ، أما تفسير الجهاد فيها فمرجعه أنها ورادة بصدد الجهاد ضد الفتنة ، أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن ، وهذا واضح في السياق ، وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس .
الخط الأساسي لسورة العنكبوت هو الحديث عن الإيمان والفتنة ، وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس ، فليس الإيمان كلمة تقال باللسان ، إنما هو الصبر على المكاره والثبات في المحن .
ومع أن موضوع السورة هو تكاليف الإيمان والثبات في المحنة . . إلا أنه يمكن أن نقسم سورة العنكبوت إلى ثلاثة عناصر لهذا الموضوع أو ثلاثة فصول :
الفصل الأول : من أول السورة إلى الآية 13 .
ويتناول حقيقة الإيمان ، وسنة الابتلاء والفتنة ، ومصير المؤمنين والكافرين ، ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئا يوم القيامة .
{ وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } [ العنكبوت : 13 ] .
الفصل الثاني : من الآية 14 إلى الآية 45
ويتناول قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب ، وإشارة إلى قبيلتي عاد وثمود ، ويصور هذا القصص ما وجد من عقبات وفتن في طريق كل دعوة ، ويتحدث عن التهوين من شأن هذه العقبات أمام قوة الإيمان والاعتماد على قدرة الله ، والمضي في تبليغ رسالته وتحمل تبعات هذه الرسالة إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل . قال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . } [ الأنبياء : 18 ] .
الفصل الثالث : من الآية 46 إلى آخر السورة .
ويتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ، ويتناول وحدة الدين والعقيدة والإيمان ، واتحاد ذلك مع الدين الخير الذي يجحد به الكافرون ويجادل فيه المشركون ، ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبيله .
ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته تهز الوجدان هزا ، وتوقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة حازمة ، فإما النهوض بها ، وإما النكوص عنها ، وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله .
استغرقت الآيات من [ 14-45 ] في الحديث عن قصص الأنبياء ، والتعليق عليه ، وبيان العظة والعبرة منه .
وبدأت بالحديث عن نوح عليه السلام ، فقد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، هي مدة الرسالة وجزء من حياته كان قبل الرسالة ، وجزء منها كان بعد الطوفان وهو عمر مديد ، ولكن نتيجته محدودة فلم يؤمن به إلا قليل من قومه .
ثم ثنى بالحديث عن إبراهيم الخليل صاحب الرسالة الكبرى ، إذ دعا قومه إلى عبادة الله الخالق الرزاق ، ونبذ الأوثان والأصنام ، والتوجه إلى الله الإله الواحد : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه . . } [ العنكبوت : 24 ] .
وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة وسفورها بلا حياء ولا تحرج ، وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الانحراف والشذوذ ، مع الاستهتار بالنذير : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } [ العنكبوت : 29 ] .
وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل فاستحقوا عذاب السماء : { فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } [ العنكبوت : 37 ] .
وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاعتزاز بالقوة والبطر بالنعمة ، كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال واستبداد الحكم والتمرد على أمر الله .
وفي النهاية يلقى الظالم حتفه جزاء ظلمه ، وقد تكرر هذا المعنى في سور سابقة وتأكد هنا ليستقر في الأذهان أمام المشركين والظالمين .
قال تعالى : { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ العنكبوت : 40 ]
وتعقب السورة على هذا القصص بمثل ضربته لهوان قوى الشرك والظلم ، فالباطل مهما علا لا مستقبل له ، والحق مهما امتحن مستقبله هنيء مريء ، قال تعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } [ العنكبوت : 41 ] .
وينتهي هذا القصص بهوان الشرك وعزة الإيمان ، وبيان قدرة الله الذي يضرب الأمثال ليتعظ بها العقلاء وليفهمها العلماء ، قال تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } [ العنكبوت : 43 ] .
يستغرق الدرس الأخير في السورة ربعا كاملا من الآية 46 إلى الآية 61 والسورة بدأت بإعلان ثقل تكاليف الإيمان ، وتعرض المؤمنين للبلاء والامتحان ، ثم ذكرت قصص الأنبياء وبلاءهم من عهد نوح .
وفي هذا الدرس الأخير يبين القرآن وحدة الرسالات في الهدف ، فالرسالات كلها من عهد نوح والرسل من بعده إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم دعوة واحدة من عند إله واحد ، ذات هدف واحد هو إصلاح العقيدة وتهذيب السلوك ورد البشرية الضالة إلى قوانين الله العادلة ، وأن المؤمنين بكل رسالة إخوة للمؤمنين بسائر الرسالات : كلهم أمة واحدة تعبد إلها واحدا ، وأن البشرية في جميع أجيالها صنفان اثنان : صنف المؤمنين وهم حزب الله ، وصنف المشاقين وهم حزب الشيطان .
ولقد ختم الجزء العشرون في القرآن بآية شهيرة تدعو إلى تلاوة الكتاب وقراءة القرآن وإقامة الصلاة ، هي قوله تعالى : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } [ العنكبوت : 45 ] .
وبدأ الجزء الحادي والعشرون بالحديث عن هذا الكتاب ، العلاقة بينه وبين الكتب السابقة ، ويأمر المسلمين ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة –إلا الذين ظلموا منهم وبدلوا في كتبهم وانحرفوا إلى الشرك ، والشرك ظلم عظيم- ودعت الآية المؤمنين أن يعلنوا إيمانهم بالدعوات كلها وبالكتب جميعها ، فهي حق من عند الله يصدق ما معهم من القرآن والإسلام . قال تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } [ العنكبوت : 46 ] .
ثم يحذر القرآن المشركين من استعجالهم بعذاب الله ، ويهددهم بمجيئه بغتة ، ويصور لهم قربه منهم ، وإحاطة جهنم بهم ، ويصف حالهم يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ثم يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقون الفتنة والإيذاء في مكة يحضهم على الهجرة بدينهم إلى الله ليعبدوه وحده ، يلتفت إليهم في أسلوب عجيب ، يعالج كل هاجسة تخطر في ضمائرهم ، وكل معوق يقعد بهم ، ويقلب قلوبهم بين أصابع الرحمان في لمسات تشهد بأن منزل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب ، فما يعرف مساربها ومداخلها الخفية إلا خالقها اللطيف الخبير الذي تكفل برزق كل دابة في كل مكان وزمان .
وينتقل من هذا التعجب من حال أولئك المشركين ، وهم يتخبطون في تصوراتهم ، فيقرّون لله سبحانه بخلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وإنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الموات ، وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله وحده مخلصين له الدين ، ثم هم بعد ذلك يشكرون بالله ويكفرون بكتابه ، ويؤذون رسوله ، ويفتنون المؤمنين به ، ويذكر المشركين بنعمة الله عليهم بهذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه ، والناس من حولهم في خوف وقلق وهم يفترون على الله الكذب ويشركون به آلهة مفتراة ، ويعدهم على هذا جهنم وفيها مثوى للكافرين .
وتختم السورة بوعد من الله سبحانه بهداية المجاهدين ورعايتهم ، فيقول سبحانه : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [ العنكبوت : 69 ] .
{ الم ( 1 ) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( 2 ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين( 3 ) أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون( 4 ) من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم( 5 ) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين( 6 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذين كانوا يعملون( 7 ) } .
سبق الحديث عن هذه الأحرف في سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما .
والخلاصة أنها حروف للتنبيه والتحدي والإعجاز ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة .