مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ} (52)

ثم قال تعالى : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة }

واعلم أن المراد بقوله { الذين في قلوبهم مرض } المنافقون : مثل عبد الله بن أبي وأصحابه ، وقوله { يسارعون فيهم } أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ويقول المنافقون : إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قال الواحدي رحمه الله : الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى قوم ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث المخوفة ، فالدوائر تدور ، والدوائل تدول . قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك .

ثم قال تعالى : { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .

قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن أنه يتم له أمره ، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل : أو أمر من عنده ، يعني أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم .

فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله { عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } ليس كذلك ، لأن الإتيان بالفتح داخل في قوله { أو أمر من عنده } .

قلنا : قوله { أو أمر من عنده } معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ} (52)

المفردات :

في قلوبهم مرض : شك ونفاق .

أن تصيبنا : ان تدركنا وتستأصلنا . من أصاب الشيء : أدركه واستأصله .

دائرة : الدائرة : الهزيمة ، أو الداهية . يقال : دارت عليهم الدوائر . أي : نزلت بهم الدواهي .

التفسير :

52- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ . . . الآية .

نزلت هذه الآية في المنافقين . كانوا يصلون حبالهم باليهود خوفا من وقوع هزيمة بالمسلمين .

روى ابن الجوزي أن اليهود والنصارى كانوا يجلبون الطعام والميرة للمنافقين ويقرضونهم فيوادونهم فلما نزلت : لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء . قال المنافقون : كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . وممن قال : نزلت في المنافقين ولم يعين مجاهد وقتادة {[264]} والمراد بالمرض الشك والنفاق . ومعنى يسارعون فيهم . أي : يسارعون في موالاتهم ، أو معاونتهم على المسلمين .

والمعنى : يا محمد فترى أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإسلام مسارعة الداخل في الشيء أي : أنهم مستقرون في مودتهم .

يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ . أي : يقولون في أنفسهم ، أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي يدور بها الزمان ، كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم ؛ لنتقي شرهم ولننال عونهم في الملمات والضوائق .

فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ . وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين بان يحقق لهم الغلبة على أعدائهم والقضاء عليهم . والمراد بالفتح : فتح مكة ، أو فتح خيبر او فتح بلاد المشركين أو نصر الإسلام وإعزازه ، وكل ذلك قد كان . أو أمر من عنده . أي : أن يأتي الله بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة مثل : القضاء على اليهود وقطع دابرهم أو هو الخصب والسعة للمسلمين ، بعد أن كانوا في ضيق من العيش ، أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى ، أو هو إظهار أمر المنافقين . والحق أن كل ذلك قد حققه للمسلمين .

فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . أي : فيصبح هؤلاء المنافقون بعد أن جاء الفتح والنصر ، آسفين متحسرين بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد أو خائب " أو إذا ما عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب " {[265]}


[264]:زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/378.
[265]:تفسير الطبري 6/218.