{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرم } أخرج ابن إسحق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي من طريق زيد بن رومان عن عروة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى نخلة فقال : كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال ، وذلك في الشهر الحرام ، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أين يسير فقال : أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك ، وانظر فيه فما أمرتك به فامض له ولا تستكره أحداً من أصحابك على الذهاب معك . فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه «أنِ امض حتى تنزل نخلة فأتنا من أخبار قريش ، بما اتصل إليك منهم » فقال لأصحابه : وكانوا ثمانية حين قرأ الكتاب سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً فمضى معه القوم حتى إذا كانوا ببخران أضل سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي ، والحكم بن كيسان ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، ونوفل بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم ، وزبيب فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله ، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقاً قالوا : عمار ليس عليكم منهم بأس وأتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر يوم من جمادى فقالوا : لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة مكة الحرام فليتمنعن منكم فأجمع القوم على قتلهم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل وأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال : سقط في أيديهم ، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين ، وقالت قريش : حين بلغهم أمر هؤلاء قد سفك محمد صلى الله عليه وسلم الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال ، واستحل الشهر الحرام فنزلت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير وفدى الأسيرين ، وفي «سيرة ابن سيد الناس » إن ذلك في رجب وأنهم لقوا أولئك في آخر يوم منه ، وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله تعالى الآية .
ومن هنا قيل : السائلون هم المشركون ، وأيد بأن ما سيأتي من ذكر الصد والكفر والإخراج أكبر شاهد صدق على ذلك ليكون تعريضاً بهم موافقاً لتعريضهم بالمؤمنين .
واختار أكثر المفسرين أن السائلين هم المسلمون قالوا : وأكثر الروايات تقتضيه ، وليس الشاهد مفصحاً بالمقصود والمراد من الشهر الحرام رجل أو جمادى فأل فيه للعهد ، والكثير والأظهر أنها للجنس فيراد به الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب ، وسميت حرماً لتحريم القتال فيها ، والمعنى : يسئلونك أي المسلمون أو الكفار عن القتال في الشهر الحرام على أنه { قِتَالٍ فِيهِ } بدل اشتمال من الشهر لما أن الأول : غير واف بالمقصود مشوق إلى الثاني : ملابس له بغير الكلية والجزئية ، ولما كان النكرة موصوفة أو عاملة صح إبدالها من المعرفة على أن وجوب التوصيف إنما هو في بدل الكل كما نص عليه الرضي ، وقرأ عبد الله ( عن قتال ) وهو أيضاً بدل اشتمال إلا أنه بتكرير العامل ، وقرأ عكرمة ( قتل فيه ) وكذا في { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي عظيم وزراً ، وفيه تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام ، وأن ما اعتقد من استحلاله صلى الله عليه وسلم القتال فيه باطل ، وما وقع من أصحابه عليه الصلاة والسلام كان من باب الخطأ في الاجتهاد وهو معفو عنه بل من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد كما في الحديث ، والأكثرون على أن هذا الحكم منسوخ بقوله سبحانه : { فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] فإن المراد بالأشهر الحرم أشهر معينة أبيح للمشركين السياحة فيها بقوله تعالى : { فَسِيحُواْ في الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [ التوبة : 2 ] وليس المراد بها الأشهر الحرم من كل سنة فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأمكنة والأزمنة وهو نسخ الخاص بالعام ، وساداتنا الحنفية يقولون به ، وأما الشافعية فيقولون : إن الخاص سواء كان متقدماً على العام أو متأخراً عنه مخصص له لكون العام عندهم ظنياً والظني لا يعارض القطعي ، وقال الإمام : الذي عندي أن الآية لا تدل على حرمة القتال مطلقاً في الشهر الحرام لأن القتال فيها نكرة في حيز مثبت فلا تعم فلا حاجة حينئذ إلى القول بالنسخ ، واعترض بأنها عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام ولو سلم فقتال المشركين مراد قطعاً لأن قتال المسلمين مطلقاً من غير تقييد بالأشهر الحرم ، وفيه أنا لا نسلم أنها موصوفة لجواز أن يكون الجار ظرفاً لغواً ولو سلم فلا نسلم عموم الوصف بل هو مخصص لها بالقتال الواقع في الشهر الحرام المعين ، والوصف المفيد للعموم هو الوصف المساوي عمومه عموم الجنس كما في قوله تعالى :
{ وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 8 3 ] وقول الشاعر :
وكون الأصل مطابقة الجواب للسؤال قرينة على الخصوص وكون المراد قتال المشركين على عمومه غير مسلم لأن الكلام في القتال المخصوص ولو سلم عمومها في السؤال فلا نسلم عمومها في الجواب بناءاً على ما ذكره الراغب أن النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها يعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا ففي تنكيرها هنا تنبيه على أنه ليس المراد كل قتال حكمه هذا فإن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه فقد قال عليه الصلاة والسلام : " أحلت لي ساعة من نهار " وحرمة قتال المسلمين مطلقاً لا يخفى ما فيه لأن قتال أهل البغي يحل وهم مسلمون فالإنصاف أن القول بالنسخ ليس بضروري ، نعم هو ممكن وبه قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه الضحاك ، وأخرج/ ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا شيء منسوخ ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام ، وخالف عطاء في ذلك فقد روي عنه أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله تعالى ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكماً مستمراً إلى يوم القيامة والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار
{ وصد } أي منع وصرف { عَن سَبِيلِ الله } وهو الإسلام قاله مقاتل ، أو الحج قاله ابن عباس والسدي ، أو الهجرة كما قيل ، أو سائر ما يوصل العبد إلى الله تعالى من الطاعات ، فالإضافة إما للعهد أو للجنس { وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالله أو بسبيله { والمسجد الحرام } اختار أبو حيان عطفه على الضمير المجرور وإن لم يعد الجار ، وأجاز ذلك الكوفيون ، ويونس ، والأخفش ، وأبو علي وهو شائع في لسان العرب نظماً ونثراً ، واعترض بأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام وهو لازم من العطف ، وفيه بحث إذ الكفر قد ينسب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها كقوله تعالى : { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } [ البقرة : 652 ] واختار القاضي تقدير مضاف معطوف على { صَدَّ } أي وصد المسجد الحرام عن الطائفين والعاكفين والركع السجود ، واعترض بأن حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه بحاله مقصور على السماع ورد بمنع الإطلاق ففي «التسهيل » إذا كان المضاف إليه إثر عاطف متصل به أو مفصول بلا مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظاً ومعنى جاز حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على انجراره قياساً نحو ما مثل زيد وأبيه يقولان ذلك أي مثل أبيه ونحو ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة ، وإذا انتفى واحد من الشروط كان مقصوراً على السماع ، وفيما نحن فيه سبق إضافة مثل ما حذف منه ، واختار الزمخشري عطفه على { سَبِيلِ الله } تعالى ، واعترض بأن عطف { وَكُفْرٌ بِهِ } على { وَصد } مانع من ذلك إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ، وذكر لصحة ذلك وجهان ، أحدهما أن { وَكُفْرٌ بِهِ } في معنى الصد عن سبيل الله فالعطف على سبيل التفسير كأنه قيل وصد عن سبيل الله أعني كفراً به والمسجد الحرام والفاصل ليس بأجنبي ، ثانيهما : أن موضع { وَكُفْرٌ بِهِ } عقيب { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم لفرط العناية كما في قوله تعالى :
{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] حيث كان من حق الكلام ولم يكن أحد كفواً له ، ولا يخفى أن الوجه الأول أولى لأن التقديم لا يزيل محذور الفصل ويزيد محذوراً آخر ، واختار السجاوندي العطف على الشهر الحرام وضعف بأن القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام واختار أبو البقاء كونه متعلقاً بفعل محذوف دل عليه الصد أي ويصدون عن المسجد الحرام كما قال سبحانه : { هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } [ الفتح : 5 2 ] وضعف بأن حذف حرف الجر وبقاء عمله مما لا يكاد يوجد إلا في الشعر ، وقيل : إن الواو للقسم وقعت في أثناء الكلام وهو كما ترى
{ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وإنما كانوا أهله لأنهم القائمون بحقوقه ، وقيل : إن ذلك باعتبار أنهم يصيرون أهله في المستقبل بعد فتح مكة { أَكْبَرُ عِندَ الله } خبر للأشياء المعدودة من كبائر قريش ، وأفعل من يستوي فيه الواحد والجمع المذكور والمؤنث . والمفضل عليه محذوف أي مما فعلته السرية خطأ في الاجتهاد ، ووجود أصل الفعل في ذلك الفعل مبني على الزعم { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } تذييل لما تقدم للتأكيد عطف عليه عطف الحكم الكلي على الجزئي أي ما يفتن به المسلمون ويعذبون به ليكفروا أكبر عند الله من القتل وما ذكر سابقاً داخل فيه دخولاً أولياً ، وقيل : المراد بالفتنة الكفر ، والكلام كبرى لصغرىحذوفة ، وقد سيق تعليلاً للحكم السابق
{ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } عطف على { يَسْئَلُونَكَ } بجامع الاتحاد في المسند إليه إن كان السائلون هم المشركون ، أو معترضة إن كان السائلون غيرهم ، والمقصود الإخبار بدوام عداوة الكفار بطريق الكناية تحذيراً للمؤمنين عنهم وإيقاظاً في بعض الأمور ، و{ حتى } للتعليل ، والمعنى لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم ، وقوله تعالى : { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } متعلق بما عنده ، والتعبير بإن لاستبعاد استطاعتهم وأنها لا تجوز إلا على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، وفائدة التقييد بالشرط التنبيه على سخافة عقولهم وكون دوام عداوتهم فعلاً عبثاً لا يترتب عليه الغرض وليس متعلقاً بلا يزالون يقاتلونكم إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوها لكنها مستبعدة .
وذهب ابن عطية إلى أن { حتى } للغاية والتقييد بالشرط حينئذ لإفادة أن الغاية مستبعدة الوقوع والتقييد بالغاية الممتنع وقوعها شائع كما في قوله تعالى : { حتى يَلِجَ الجمل في سَمّ الخياط } [ الأعراف : 0 4 ] وفيه أن استبعاد وقوع الغاية مما يترتب عليه عدم انقطاع العداوة وقد أفاده صدر الكلام ، والقول بالتأكيد غير أكيد ، نعم يمكن الحمل على الغاية لو أريد من المقاتلة معناها الحقيقي ويكون الشرط متعلقاً بلا يزالون فيفيد التقييد أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم إلا أن المعنى حينئذ يكون مبتذلاً كما لا يخفى
{ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } الحق بإضلالهم وإغوائهم ، أو الخوف من عداوتهم { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } بأن لم يرجع إلى الإسلام { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الارتداد والموت على الكفر وما فيه من البعد للإشعار ببعد منزلة من يفعل ذلك في الشر والفساد والجمع والإفراد نظراً للفظ والمعنى . { حَبِطَتْ أعمالهم } أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن ، قيل : وأصل الحبط فساد يلحق الماشية لأكل الحباط وهو ضرب من الكلأ مضر ، وفي «النهاية » «أحبط الله تعالى عمله أبطله يقال : حَبِط عمله وأحبطه غيره وهو من قولهم : حَبِطت الدابة حَبَطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت » ، وقرئ ( حبطت ) بالفتح وهو لغة فيه .
{ فِى الدنيا والآخرة } لبطلان ما تحيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد في الأولى وسقوط الثواب في الأخرى { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .
كسائر الكفرة ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً ، واستدل الشافعي بالآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها وذلك بناءاً على أنها لو أحبطت مطلقاً لما كان للتقييد بقوله سبحانه : { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } فائدة والقول بأنه فائدته أن إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل أصلاً موقوف على الموت على الكفر حتى لو مات مؤمناً لا يحبط إيمانه ولا عمل يقارنه وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد مما لا معنى له لأن المراد من الأعمال في الآية الأعمال السابقة على الارتداد إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل فحينئذٍ لا يتأتى هذا القول كما لا يخفى ، وقيل : بناءاً على أنه جعل الموت عليها شرطاً في الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط ، واعترض بأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب ولو كان شرطاً بهذا المعنى لم يتصور اختلاف القول بمفهوم الشرط ، وذهب إمامنا أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله تعالى :
{ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة : 5 ] وما استدل به الشافعي ليس صريحاً في المقصود لأنه إنما يتم إذا/ كانت جملة ، و( أولئك ) الخ تذييلاً معطوفة على الجملة الشرطية ، وأما لو كانت معطوفة على الجزاء وكان مجموع الإحباط والخلود في النار مرتباً على الموت على الردة فلا نسلم تماميته ، ومن زعم ذلك اعترض على الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بأن اللازم عليه حمل المطلق على المقيد عملاً بالدليلين ، وأجيب بأن حمل المطلق على المقيد مشروط عنده بكون الإطلاق والتقييد في الحكم واتحاد الحادثة وما هنا في السبب فلا يجوز الحمل لجواز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد ، وثمرة الخلاف على ما قيل : تظهر فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم والوقت باق فإنه يلزمه عند الإمام قضاء الصلاة خلافاً للشافعي وكذا الحج ، واختلف الشافعيون فيمن رجع إلى الإسلام بعد الردة هل يرجع له عمله بثوابه أم لا ؟ فذهب بعض إلى الأول : فيما عدا الصحبة فإنها ترجع مجردة عن الثواب ، وذهب الجل إلى الثاني : وأن أعماله تعود بلا ثواب ولا فرق بين الصحبة وغيرها ، ولعل ذلك هو المعتمد في المذهب فافهم .
قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن الرسول ( ص ) بعث في رجب عبد الله بن جحش الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين ، وكتب لعبد الله بن جحش كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه ، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلّم لنا من أخبارهم " فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع . فقالوا : كلنا نرغب فيه وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله ( ص ) ، ونهضوا فسلك على الحجاز ، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة ، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان . فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرام ثم أنفقوا على لقائهم فقتلوا عمرو ابن الحضرمي ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، ثم قدموا بالعير والأسيرين . فأنكر رسول الله ( ص ) قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل الله عز وجل ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) .
وهذه إحدى الروايات التي ذكرت في سبب نزول الآية ، وهي في مجموعها تبيين أن نفرا من المسلمين بعثهم النبي ( ص ) لرصد قريش فقتلوا ابن الحضرمي ثم عادوا ومعهم أسيران والعير ، وكان ذلك في أول رجب أحد الأشهر الحرم التي لا يباح فيها القتال . وقد عيّرت قريش المسلمين في ذلك بقولها : إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب . فرد الله مقالتهم فيما أنزله من هذه الآية . وهو أن القتال في الشهر الحرام غير مباح ، ذلك صحيح ، لكن الذي اقترفتموه أنتم أيها المشركون أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام ، وهو أنكم كفرتم بالله ، وصددتم عن دينه ، وحاربتم نبيه وأصحابه ، وكفرتم بالمسجد الحرام ، وصددتم عنه المؤمنين وهم أهله ، وأخرجتموهم منه ، وفتنتم المسلمين في دينهم حين آذيتموهم وعذبتموهم{[293]} .
وقوله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) ( قتال ) بدل من الشهر ، وهو بدل اشتمال ؛ لأنهم سؤالهم شمل الشهير والقتال . والمعنى أن المشركين يسألونك يا محمد مستنكرين للقتل الذي في الشهر الحرام .
وقوله : ( قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) أي قل لهم يا محمد : لئن كان القتال في الشهر الحرام مستنكرا ومحرما فإن ما فعلتموه أنتم من صد عن الإسلام وكفر بالله والمسجد الحرام وإخراج المؤمنين من ديارهم وهو الحرم ، لهو أشد نكرا وتحريما . فقبل أن تعيروا المسلمين بهذه المخالفة فاذكروا أنتم ما صنعتموه من مخالفات هي أشد وأعظم . فعيروا أنفسكم قبل أن تعيروا غيركم .
قوله : ( والفتنة أكبر من القتل ) الفتنة هي حرف المسلم عن دينه عن طريق التعذيب وغيره . المعنى أن تعذيبكم وتنكيلكم بالمسلمين لحرفهم عن دينهم وصرفهم إلى ملة الكفر ، لهو أعظم جرما مما عمله المسلمون من القتل في الشهر الحرام .
قوله : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) وفوق جرائم المشركين في الصد عن دين الله والكفر به والمسجد الحرام وإخراج المؤمنين منه ظلما وعدوانا ، فإنهم لا يزالون مصممين وماضين في حربكم وقتلكم ليردوكم عن الإسلام إن استطاعوا . ومن المعلوم أن الارتداد عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر جريمة شنيعة بل هو كبرى الجرائم التي يتردى فيها التعساء في هذه الحياة ، فإن الذي يبدل دين الإسلام ليدخل في الكفر ثم يظل على حاله من الارتداد إلى أن يموت كافرا قد باء الخسران وحبوط الأعمال في الدنيا والآخرة . وحبوط الأعمال أي فسادها أو بطلانها ، ومنه الحبط وهو مرض يصيب الدواب والأنعام في بطونها ؛ لكثرة ما تأكله من الكلأ مما يؤدي إلى انتفاخ أجوافها واحتمال موتها{[294]} . وينسحب مثل هذا المعنى على الأعمال الصالحة إذا أتى عليها الحبوط ، فإنه يفسدها ويجعلها هدرا بغير قيمة أو اعتبار ، وذلك في الدنيا والآخرة . أما حبوطها في الدنيا فهو أن يُضرب عن ذكرها صفحا ، فتصبح كأنها لم تكن ، فلا يبقى لها في أذهان الناس وذكرياتهم أي تقدير أو حساب . ولا يكون للمرتد بعد موته وحبوط عمله من ثناء عليه أو إحساس بتذكره وإطرائه طيلة الحياة الدنيا ، ليكون بذلك نسيا منسيا . وأما حبوطها في الآخرة فهو فسادها وزواها البتة حتى إذا جاء المرتد يوم القيامة لم يجد من أعماله الصالحة شيئا .
وثمة أحكام للمرتد نعرض لبعضها في هذا الصدد ، وأولها الاستتابة . فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المرتد عن الإسلام يستتاب ، فإن تاب صين دمه وإذا لم يتب قتل .
وفي حجم المدة التي يتاح فيها للمرتد أن يتوب ، اختلفوا ، فقيل : يستتاب مدة ساعة من نهار ، وقيل : يستتاب شهرا ، وقيل كذلك : يستتاب أياما ثلاثة وهو قول الإمام مالك . وقال الحسن البصري : يستتاب مائة مرة . وللشافعي في أحد قوليه أن المرتد يقتل في الحال ودون استتابة .
وذكر عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه ، إلا أن يطلب التأجيل ، فإن طلب ذلك أمهل أياما ثلاثة . مع أن المشهور في المذهب الحنفي أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب .
أما الذي يبدل ملة الكفر بأخرى كالذي ينتقل من الكفر إلى الكفر ، فلا شان لنا به ؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الأصل لترك وحاله . وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء . أما الإمام الشافعي فقد ذكر عنه أنه يقتل مستندا في ذلك إلى العموم من حديث النبي ( ص ) " من بدل دينه فاقتلوه " وهو في لم يخص مسلما أو كافرا . وفي تقديرنا أن الأول أرجح ؛ إذ لا صحة لما استدل به الإمام الشافعي من الحديث المذكور على القتل ، فإن أصدق تأويل للحديث أنه ينطبق على من بدّل دينه الإسلام بدين آخر .
والآن ما حكم المرتد إذا رجع إلى الإسلام ، فهل يحبط عمله السابق ؟ فقد قال الإمام الشافعي : إن الذي يرتد ثم يعود إلى الإسلام لم يحبط عمله ، وعليه فإن حجه وصيامه وصلواته وسائر أعماله باق بغير حبوط ، وهو بعد عوده إلى الإسلام لا يبقى في ذمته فريضة بحج أو صيام أو غيره ، أما الذي يموت وهو باق على حاله من الردة فإن أعماله كلها قد أتى عليها الحبوط . وذهب مالك إلى أن المرتد يحبط عمله بمجرد ارتداده . وبناء على ذلك فإن المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فإنه يلزمه الحج من جديد . وقال الشافعي : ليس عليه إعادة للحج من جديد ، فإن حجه الأول باق{[295]} .