روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق } قيل هو تسلية له صلى الله عليه وسلم عن قولهم { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } [ الفرقان : 7 ] بأن لك في سائر الرسل عليهم السلام أسوة حسنة فإنهم كانوا كذلك ، وقال الزجاج : احتجاج عليهم في قولهم ذلك كأنه قيل كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فكيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل عليهم السلام . ورده الطيبي بأنه لا يساعد عليه «النظم الجليل » لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله تعالى : { انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الامثال } [ الإسراء : 48 ] وتعقبه في «الكشف » بقوله : ولقائل أن يقول هذا جواب آخر كما أجيب هنالك من أوجه على ما نقل عن الإمام وجعل قوله تعالى : { بَلْ كَذَّبُواْ } جواباً ثالثاً وعقبه بقوله تعالى : { وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة } [ الفرقان : 11 ] لمكان المناسبة وتم الوعيد ثم أجابهم سبحانه جواباً آخر يتضمن التسلية أيضاً وهذا يساعد عليه «النظم الجليل » ، والجملة التي بعد إلا قيل صفة ثانية لموصوف مقدر قبل { مِنَ المرسلين } والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين .

وتعقب بأن فيه الفصل بين الموصوف والصفة بإلا وقد رده أكثر النحاة كما في «المغني » ، ومن هنا جعلها بعضهم صفة لموصوف مقدر بعد إلا وذلك بدل مما حذف قبل وأقيمت صفته مقامه ، والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا رجالاً أو رسلاً أنهم الخ ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه وهو جائز عندهم . وقدر الفراء بعد إلا من وهي تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون نكرة موصوفة ، وجعل بعضهم الجملة في محل نصب بقول محذوف وجملة القول صفة أي إلا رجالاً أو رسلاً قيل أنهم الخ وهو كما ترى ، وقال ابن الأنباري : الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وإنهم . قال أبو حيان : وهو المختار ، وقدر الواو بناءً على أن الاكتفاء في مثل هذه الجملة الحالية بالضمير غير فصيح ، وربما يختار عدم التقدير ويمنع دعوى عدم الفصاحة أو يحمل ذلك على غير المقترن بإلا لأنه في الحقيقة بدل ، ووجه كسر إن وقوعها في الابتداء ووقوع اللام بعدها أيضاً . وقرىء { أَنَّهُمْ } بالفتح على زيادة اللام بعدها وتقدير جار قبلها أي لأنهم يأكلون الخ . والمراد ما جعلناهم رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن مسعود . وعبد الرحمن بن عبد الله { يَمْشُونَ } بتشديد الشين المفتوحة مع ضم الياء مبنياً للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو الناس والتضعيف للتكثير كما في قول الهذلي

: يمشي بيننا حانوت خمر ***

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما في «البحر » { يَمْشُونَ } بضم الياء والشين مع التشديد مبنياً للفاعل وهو مبالغة يمشي المخفف فهي مطابقة للقراءة المشهورة ولا يحتاج إلى تقدير يمشيهم حوائجهم ونحوه . وأنشدوا قوله

: ومشى بأغصان المباءة وابتغى *** قلائص منها صعبة وذلول

وقوله

: فقد تركت خزينة كل وغد *** يمشي بين خاتام وطاق

وفي بعض نسخ الكشاف ما يدل على أنه لم يظفر بهذه القراءة ، وقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } قيل تسلية له صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن عن قولهم : { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة } [ الفرقان : 8 ] أي وجعلنا أغنياءكم أيها الناس ابتلاء لفقرائكم لننظر هل يصبرون { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أي عالماً بالصواب فيما يبتلى به وغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم ، وقيل تصبير له عليه الصلاة والسلام على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد الاحتجاج عليهم بسائر الرسل ، والكلام من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم السلام بطريق التغليب على ما اختاره بعضهم ، والمراد بالبعض الأول كفار الأمم واختصاصهم بالرسل مصحح لأن يعدوا بعضاً منهم وبالبعض الثاني رسلهم على معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين من الرسل كأنه قيل وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة فتنة لرسولها المعين . وإنما لم يصرح بذلك تعويلاً على شهادة الحال ، وحاصله جرت سنتنا بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإطلاق ألسنتهم فيهم بالأقاويل الخارجة عن حد الإنصاف وسلوكهم في أذاهم كل مسلك لنعلم صبرهم أو هو خطاب للناس كافة على ما قيل وهو الظاهر ، والبعض الأول أعم من الكفار والأغنياء والأصحاء وغيرهم ممن يصلح أن يكون فتنة والبعض الثاني أعم من الرسل والقراء والمرضى وغيرهم ممن يصلح أن يفتن . والكلام عليه مفيد لتصبره صلى الله عليه وسلم على ما قالوه وزيادة ، وقيل : المراد بالبعض الأول من لا مال له من المرسلين وبالبعض الثاني أممهم ويدخل في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته دخولاً أولياً فكأنه قيل جعلناك فتنة لأمتك لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا وإنما بعثناك لا مال لك ليكون طاعة من يطيعك منهم خالصة لوجه الله تعالى من غير طمع دنيوي وكذا حال سائر من لا مال له من المرسلين مع أممهم والأظهر عموم الخطاب والبعضين وهو الذي تقتضيه الآثار وإليه ذهب ابن عطية فقال : ذلك عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض والغنى فتنة للفقير والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل ، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب انتهى .

واختار ذلك أبو حيان . ولا يضر فيه خصوص سبب النزول . فقد روي عن الكلبي أنها نزلت في أبي جهل . والوليد بن المغيرة . والعاصي بن وائل . ومن في طبقتهم قالوا : إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار . وصهيب . وبلال . وفلان . وفلان ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة . والاستفهام إما في حيز التعليل للجعل ومعادله محذوف كما حذف فيما لا يحصى من الأمثلة والتقدير لنعلم أتصبرون أم لا أي ليظهر ما في علمنا . وقرينة تقدير العلم تضمن الفتنة إياه . وإما أن لا يكون في حيز التعليل وليس هناك معادل محذوف بأن يكون للترغيب والتحريض والمراد اصبروا فإني ابتليت بعضكم ببعض . ويجوز أن لا يقدر معادل على تقدير اعتبار التعليل أيضاً بأن يكون الخطاب للرسل عليهم السلام على ما سمعت . وجعل ابن عطية الخطاب فيما سبق عاماً وفي { أَتَصْبِرُونَ } خاصاً بالمؤمنين الذين جعل إمهال الكفار فتنة لهم في ضمن العموم السابق وقدر معادلاً فقال : كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين ثم وقفهم أتصبرون أم لا . وجعل قوله تعالى : { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } وعداً للصابرين ووعيداً للعاصين . وجعله بعضهم وعداً للرسول صلى الله عليه وسلم بالأجر الجزيل لصبره الجميل مع مزيد تشريف له عليه الصلاة والسلام بالالتفات إلى اسم الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم . وجوز أن يكون وعيداً لأولئك المعاندين له عليه الصلاة والسلام جىء به إتماماً للتسلية أو التصبر وليس بذاك . واستدل بالآية على القضاء والقدر فإنها أفادت أن أفعال العباد كعداوة الكفار وإيذائهم بجعل الله تعالى وإرادته والفتنة بمعنى الابتلاء وإن لم تكن من أفعال العباد إلا أنها مفضية ومستلزمة لما هو منها . وفيه من الخفاء ما فيه .

ومن باب الإشارة :وقالوا في قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] إن وجه فتنته النظر إليه نفسه والغفلة فيه عن ربه سبحانه ، ويشعر هذا بأن كل ما سوى الله تعالى فتنة من هذه الحيثية .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ( 20 ) } .

جملة ( إلا أنهم ليأكلون ) في محل نصب صفة لمفعول محذوف تقديره : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين . وقيل : الجملة في محل نصب على الحال . والتقدير : إلا وإنهم . فقدرت معها الواو بيانا للحالية .

وقد كسرت إن ، لوجود اللم في خبرها{[3310]} .

وذلك احتجاج على المشركين الخاطئين بزعمهم أن الرسول لا يأكل كما يأكلون ولا يمشي في الأسواق متكسبا متجرا كما يمشون . وهو كذلك تسلية من الله لرسوله ( ص ) ؛ إذ يخبره أن النبيين الذين أرسلهم من قبله لهداية الناس ما كانوا إلا بشرا يأكلون الطعام كما يأكل الناس ، ويمشون في الأسواق طلبا للرزق والمعاش كما يفعل الناس . فليس في ذلك ما يثير التعجب أو الاستهجان . فالنبيون من جنس البشر يأكلون كما يأكلون وينامون كما ينامون ، ويموتون كما يموتون . لكنهم مع صفاتهم الآدمية هذه ؛ فإنهم أناس أفذاذ مصطفون مميزون بخصائص جليلة فيها من عظيم السمات النفسية والروحية والخلقية ما لا يبلغ دون معشاره البشر .

إن النبيين والمرسلين قد أوتوا من حظوظ الكمال الخلقي والخلقي ، والجمال الروحي والفطري ما يسمو بهم فوق مستويات الناس كافة ؛ فهم بذلك أخيار وأبرار وأطهار قد اصطفاهم الله على العالمين . بما بث في كينونتهم وفطرتهم من رسوخ الإيمان والتقوى ، وجلال الطبع الرهيف الرفاف ، بما ينبغي القطع في يقين أن هؤلاء نخبة مختارة مصطفاة للوحي والرسالة .

قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الفتنة ، البلاء والمحنة . وهذا تصبير لرسول الله ( ص ) على ما قاله المشركون واستهجنوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد أن احتج الله عليهم بسائر المرسلين ؛ إذا كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وهم مرسلون من ربهم لهداية الناس .

على أن الحقيقة الراسخة هنا هي جعل الله الناس بعضهم لبعض فتنة . فقد ابتلى بعضهم ببعض . كما ابتلى أو امتحن الفقراء بالأغنياء ، والمرضى بالأصحاء ، والأغنياء بأولي الفطانة الأذكياء ، ابتلى العلماء بالجهلاء ، مثلما ابتلى النبيين المرسلين الذين بعثهم الله لهداية الناس ، ولإخراجهم من ظلام الباطل والضلال إلى نور الحق واليقين والفضيلة –ابتلاهم الله بالذين أرسلوا إليهم من الأمم الضالة الفاسقة الذين اسكتبروا وأعرضوا عن دين الله فناصبوا رسلهم العداء وآذوهم شر إيذاء ، ووضعوا في طريقهم الأشواك والمعوقات . لا جرم أن ذلك ابتلاء من الله امتحن به عباده الأبرار من النبيين والمرسلين .

وكذلك الذين يدعون إلى الله مخلصين على بصيرة ؛ فإنهم يصطدمون غالبا في طريقهم بالمثبطين المعوقين من الناس الذي يروق لهم العيش في الفسق والفحش والرذيلة ، والذين لا يرغبون لمنهج الله أن يشيع أو يذيع . أولئك شرار الناس الذين مردت نفوسهم على الهوى والباطل والتلبس بالكفر والعصيان ، وقد ابتلى الله بهم المصلحين من المسلمين الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وبذلك فإن الناس ، بعضهم لبعض فتنة ، فما من أحد في الغالب إلا هو فتنة لغيره . القوي فتنة للضعيف ، والطيب فتنة للخبيث ، والنشيط فتنة للعاجز المتثاقل ، والمحسود فتنة للحسود . فكل مفتون بغيره . والمفلح من نجاه الله من الفتنة ودفع عنه أذى الأشرار وجعله من الصابرين الأخيار . جعلنا الله بفضله ورحمته منهم .

قوله : ( أتصبرون ) الاستفهام بمعنى الأمر ؛ أي اصبروا . أو أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا اغتماما ؟ على أن هذه الجملة الاستفهامية ذات الإيقاع الخاص المؤثر ، تتضمن من التحريض على الصبر ما يكشف عن الأهمية البالغة لهذه الخصلة الفضلى وهي الصبر . ويكشف عن درجة التكريم التي يحتلها الصابرون على البلاء والمحن من أذى الأشرار ، وسفه الجاهلين ، وحسد الحاسدين ، ونحو ذلك من ضروب المحن .

قوله : ( وكان ربك بصيرا ) الله عليم بأحوال الناس وبما يستكن في قلوبهم من مختلف الطوايا والمقاصد . وعليم بالذين يصبرون على البلايا والمحن مما يكيده لهم الظالمون على اختلاف صفاتهم ، ويعلم الذين لا يصبرون فيجزعون عند مواجهة الفتن .


[3310]:- الدر المصون جـ8 ص 469.