روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (97)

{ فِيهِ ءايات بينات } كإهلاك من قصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل وغيرهم وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه وعدم نفرة الطير من الناس هناك ، وإن أيّ ركن من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني كان الخصب باليمن ، وإذا كان في مقابلة الركن الشامي كان الخصب بالشام ؛ وإذا عم البيت كان في جميع البلدان وكقلة الجمرات على كثرة الرماة إلى غير ذلك وعدوا منه انحراف الطير عن موازاته على مدى الأعصار ، وفيه كلام للمحدثين لأن منها ما يعلوه ، وقيل : لا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء ، واعترض بأن العقاب علته لأخذ الحية ، وقيل : إن الطير المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه جمع بعضهم بين الكلامين ومع هذا في القلب منه شيء فقد نقل بعض الناس أنه شاهد أن الطير مطلقاً تعلوه في بعض الأحايين والضمير المجرور عائد على { البيت } [ آل عمران : 96 ] ، والظرفية مجازية وإلا لما صح عدّ هذه الآيات ، والجملة إما مستأنفة جىء بها بياناً وتفسيراً للهدى ، وإما حال أخرى ولا بأس في ترك الواو في الجملة الاسمية الحالية على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره ، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في العالمين والعامل فيه هدى ، أو من الضمير في { مُبَارَكاً } [ آل عمران : 96 ] وهو العامل فيها ، أو يكون صفة لهدى كما أن العالمين كذلك .

وقوله تعالى : { مَّقَامِ إبراهيم } مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ أي منها أو أحدها مقام إبراهيم ، واختار الحلبي الأخير ، وقيل : بدل البعض من الكل وإليه ذهب أبو مسلم ، وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان وصح بيان الجمع بالمفرد بناءاً على اشتمال المقام على آيات متعددة ؛ لأن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية وغوصهما فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض هذا النوع دون بعض آية وإبقاؤه على ممر الزمان آية وحفظه من الأعداء آية ، أو على أن هذه الآية الواحدة لظهور شأنها وقوة دلالتها على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام منزلة منزلة آيات كثيرة ، وأيد ذلك بما أخرجه ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ فيه آية بينة بالتوحيد ، وفيه أن هذا وإن ساغ معنى إلا أنه يرد عليه أن { ءايات } نكرة ، و { مَّقَامِ إبراهيم } معرفة ، وقد صرح أبو حيان أنه لا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين ، ثم إن سبب هذا الأثر في هذا المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه وقد تقدم غير ذلك في ذلك أيضاً .

{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } الضمير المنصوب عائد إلى { مَّقَامِ إبراهيم } بمعنى الحرم كله على ما قاله ابن عباس لا موضع القدمين فقط ، ويمكن أن يكون هناك استخدام ، وقال الجصاص : «أورد الآيات المذكورات في الحرم ، ثم قال : { وَمَن دَخَلَهُ } الخ فيجب أن يكون المراد جميع الحرم » ، والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية وإما شرطية عطف كما قال غير واحد من حيث المعنى ، على { مَّقَامِ } لأنه في المعنى أمْنُ مَنْ دخله أي ومنها ، أو ثانيها أمْنُ مَن دخله أو فيه آيات مقام إبراهيم وَأمْنُ مَن دخله وعلى هذا لا حاجة إلى ما تكلف في توجيه الجمعية لأن الآيتين نوع من الجملة كالثلاثة والأربعة ، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، ومثل هذا الطي واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية ، فالأول : كرواية «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » على ما هو الشائع وإن صححوا عدم ذكر ثلاث ، وأما الثاني : فمنه قول جرير :

كانت حنيفة ( أثلاثاً ) فثلثهم *** من العبيد ( وثلث من مواليها )

و { منْ } إما للعقلاء أو لهم ولغيرهم على سبيل التغليب لأنه يأمن فيه الوحش والطير بل والنبات ، فحينئذٍ يراد بالأمن ما يصح نسبته إلى الجميع بضرب من التأويل ، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمن في الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية أنه قال : كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه . وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه . وأخرج ابن جرير عن ابنه أنه قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته ؛ وعن ابن عباس لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أتعرض له ، ومذهبه في ذلك أن من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم/ ولا يؤذى ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه ما جرّ فإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم والروايات عنه في ذلك كثيرة وقد تقدم تفصيل الأقوال في المسألة ، وأما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق رضي الله تعالى عنه الأمن في الآخرة من العذاب ، فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن يحيى بن جعدة أن من دخله كان آمناً من النار ، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل البيت دخل في حسنة ، وخرج من سيئة مغفوراً له "

، وروي من غير طريق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة » ، وفي رواية عن ابن عمر قال : من قبر بمكة مسلماً بعث آمناً يوم القيامة ، ويجوز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة ولعله الظاهر من إطلاق اللفظ .

{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } جملة ابتدائية ، المبتدأ فيها { حَجَّ } والخبر لله وعلى الناس متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالاً من المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه الاستقرار . وجوز أن يكون { عَلَى الناس } خبراً ، ولله متعلق بما تعلق به ، ولا يجوز أن يكون حالاً من المستكن في الناس لأن العامل في الحال حينئذٍ يكون معنى ، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي عند الجمهور ، وجوزه ابن مالك إذا كان الحال ظرفاً أو حرف جر وعامله كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما لا يتقدمان على عاملهما المعنوي ، وجوز أن يرتفع الحج بالجار الأول أو الثاني وهو في اللغة مطلق القصد أو كثرته إلى من يعظم ، والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة شرعية ، وأل في البيت للعهد ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { حَجَّ } بالكسر كعلم وهو لغة نجد .

{ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } بدل من الناس ، بدل البعض من الكل والضمير في البدل مقدر أي منهم ، وقيل : بدل الكل من الكل ، والمراد من { الناس } خاص ولا يحتاج إلى ضمير ، وقيل : خبر لمحذوف أي هم من استطاع أو الواجب عليه من استطاع ، وجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل أعني وأن يكون فاعل المصدر وهو مضاف إلى مفعوله أي ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم البيت وفيه مناقشة مشهورة ، و { مِنْ } على هذه الأوجه موصولة . وجوز أن تكون شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم ، أو هو نفسه على الخلاف المقرر بين البصريين والكوفيين ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط { عَلَى الناس } والتقدير من استطاع منهم إليه سبيلاً فللَّه عليه أن يحج ، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده ، والضمير المجرور للبيت أو للحج لأنه المحدث عنه ، وهو متعلق بالسبيل لما فيه من معنى الإفضاء وقدم عليه للاهتمام بشأنه .

والاستطاعة في الأصل استدعاء طواعية الفعل وتأتيه ، والمراد بالاستدعاء الإرادة ، وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقاً أو بسهولة فهي أخص منها وهو المراد هنا ، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى ، والقدرة إما بالبدن أو بالمال أو بهما ، وإلى الأول : ذهب الإمام مالك فيجب الحج عنده على من قدر على المشي والكسب في الطريق ، وإلى الثاني : ذهب الإمام الشافعي ، ولذا أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه ، وإلى الثالث : ذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به .

واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بما أخرجه الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال : «لما نزلت هذه الآية { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } قام رجل فقال : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال : " الزاد والراحلة " وروي هذا من طرق شتى وهو ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية ، وهو مخالف لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفة ظاهرة ، وأما إمامنا فيؤول ما وقع فيه بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق مثلاً لم يجب الحج عليه ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لصحة البدن لظهور الأمر ، كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون الصحة ، ومما يؤيد أن ما في الحديث بيان لبعض الشروط أنه ورد في بعض الروايات الاقتصار على واحد مما فيه ، فقد أخرج الدارقطني أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل فقال : " أن تجد ظهر بعير ولم يذكر الزاد "

هذا واستدل بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل وفساد القول بأنها معه ، ووجه الاستدلال ظاهر ، وأجيب بأن الاستطاعة التي ندعي أنها مع الفعل هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل وتطلق الاستطاعة على معنى آخر هو سلامة الأسباب والآلات والجوارح أي كون المكلف بحيث سلمت أسبابه وآلاته وجوارحه ولا نزاع لنا في أن هذه الاستطاعة قبل الفعل وهي مناط صحة التكليف وما في الآية بهذا المعنى ، كذا قالوا . وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا : إن المشهور عن الأشعري أن القدرة مع الفعل ، بمعنى أنها توجد حال حدوثه وتتعلق به في هذه الحال ولا توجد قبله فضلاً عن تعلقها به ، ووافقه على ذلك كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبي عيسى الوراق وغيرهم ، وقال أكثر المعتزلة : القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذٍ ويستحيل تعلقها به قبل حدوثه ، ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال : ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه ومنهم من نفاه ، ودليلهم على ذلك وجوه :

الأول : أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد ، وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال : أوجده فوجد ، وأجيب بأن هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى تقدير تسليمه يقال : إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائز ، بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستنداً إلى الموجد ومتفرعاً على إيجاده ، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر وتحقيقه أن التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان ، وإن كان متقدماً عليه بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما .

الثاني : إن جاز تعلق القدرة حال الحدوث يلزم القدرة على الباقي حال بقائه والتالي باطل ، بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة به ليس إلا كونه متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضاً ، وأجيب بأنا نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة به أو نفرق بما يبطل به الملازمة من احتياج الموجود عن عدمه إلى المقتضى دون الباقي فلو لم تتعلق القدرة بالأول لبقي على عدمه وقد فرض وجوده هذا خلف ، ولو لم تتعلق بالثاني لبقي على الوجود وهو المطابق للواقع ، أو ننقض الدليل أولاً : بتأثير العلم أو العالمية بالاتفاق فإن ذلك مشروط حال حدوث الفعل دون بقائه ، وثانياً : بتأثير الفعل فيكون الفاعل فاعلاً فإنّ الفعل مؤثّر في ذلك حال الحدوث وبتقدير كون الفعل باقياً لا يؤثر حال البقاء ، وثالثاً : بمقارنة الإرادة إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاء فكذا الحال في القدرة .

/ الثالث : إن كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم مقدوره وكلاهما باطلان ، بل قدرته أزلية وتعلقها في الأزل بمقدوراته فقد ثبت تعلق القدرة بمقدوراتها قبل الحدوث ولو كان ممتنعاً في القدرة الحادثة لكان ممتنعاً في القدرة القديمة وليس ، فليس ، وأجيب بأن القدرة القديمة الباقية مخالفة في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها عندنا فلا يلزم من جواز تقدمها على الفعل ، جواز تقدم الحادثة عليه ثم إن القديمة متعلقة في الأزل بالفعل تعلقاً معنوياً لا يترتب عليه وجود الفعل ولها تعلق آخر به حال حدوثه موجب لوجوده فلا يلزم من قدمها مع تعلقها المعنوي قدم آثارها .

الرابع : إنه يلزم على ذلك التقدير أن لا يكون الكافر في زمان كفره مكلفاً بالإيمان لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدمة عليه بل نقول : يلزم أن لا يتصور عصيان من أحد ؛ إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا تكليف ، فلا عصيان ، وأيضاً أقوى أعذار المكلف التي يجب قبولها لدفع المؤاخذة عنه ، هو كون ما كلف به غير مقدور له فإذا لم يكن قادراً على الفعل قبله وجب رفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به وهو باطل بإجماع الأمة ، وأيضاً لو جاز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غير مقدور له فليجز تكليفه بخلق الجواهر والأعراض ، وأجيب بأنه يجوز تكليف المحال عندنا فيلتزم جواز التكليف بالخلق المذكور ، ولنا أن نفرق بأن ترك الإيمان إنما هو بقدرته بخلاف عدم الجواهر والأعراض فإنه ليس مقدوراً له أصلاً فلا يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخلقها ، وبالجملة فكون الشيء مقدوراً الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون الشيء أو ضده متعلقاً للقدرة ، وهذا حاصل في الإيمان لأن تركه لتلبسه بضده مقدور له حال كفره بخلاف إحداث الجواهر والأعراض فإنه غير مقدور له أصلاً لا فعلاً ولا تركاً فلا يجوز التكليف به ، وأما ما ذكر من قضية الأعذار ووجوب قبولها فمبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقد أقيمت الأدلة على بطلانهما في محله كذا في «المواقف » و «شرحه » .

ودليل ما شاع عن الأشعري قيل : هو أن القدرة عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية فيجب أن تكون مقارنة للفعل بالزمان لا سابقة عليه وإلا لزم وقوع الفعل بلا قدرة لما برهن عليه من امتناع بقاء الأعراض ؛ واعترض عليه بما في أدلة امتناع بقاء الأعراض من النظر القوي وأنه قد يقال على تقدير تسليم الامتناع المذكور لا نزاع في إمكان تجدد الأمثال عقيب الزوال فمن أين يلزم وقوع الفعل بدون القدرة ؟ وأجيب بأنا إنما ندعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة السابقة ، وأما إذا جعلتموها المثل المتجدد المقارن فقد اعترفتم بأن القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنة ، ثم إن ادعيتم أنه لا بد لها من أمثال تقع حتى لا يمكن الفعل بأول ما يحدث من القدرة فعليكم البيان . وفيه أن هذا قول بأن نفي وجود المثل السابق ليس داخلاً في دعوى الأشعري وهو خلاف ما علم مما تقدم في تقرير مذهبه ، وذكر في «المواقف » دليلاً آخر للأشعري على ما ادعاه ونظر فيه أيضاً .

هذا كلامهم ، والحق عندي في هذه المسألة ، أن شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة الله تعالى لقوله سبحانه : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] وإيضاحه ، أنه تعالى كما أنه غني بالذات عن العالمين كذلك حكيم جواد وكما أن غناه الذاتي أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد كذلك مقتضى جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه كما أشار إليه العضد في «عيون الجواهر » ، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في «شفاء العليل » . / ومن المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال وينهى عنه من لا يقدر على الاجتناب فلا بد بمقتضى الحكمة التي رعاها سبحانه فيما خلق وأمر فضلاً ورحمة أن يكون التكليف بحسب الوسع وإذا كان كذلك كان شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة إذا انضم إليها الإرادة وهذه قبل الفعل ، والقدرة التي هي مع الفعل هي القدرة المستجمعة لشرائط التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها ، وبهذا جمع الإمام الرازي كما في «المواقف " بين مذهب الأشعري القائل بأن القدرة مع الفعل ، والمعتزلة القائلين بأنها قبله ، وقال : لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق بالضدين ، والمعتزلة أرادوا بالقدرة ، مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة وهو جمع صحيح ، وقول السيد قدس سره في توجيه البحث الذي ذكره صاحب «المواقف » فيه بأن القدرة الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال : إنه أراد بالقدرة ، القوة المستجمعة لشرائط التأثير ، مدفوع بما تبين في «الإبانة » التي هي آخر مصنفاته .

والمعتمد من كتبه كما صرح به ابن عساكر والمجد بن تيمية وغيرهما أن الشيخ قائل بالتأثير للقدرة المستجمعة للشرائط ، لكن لا استقلالاً كما يقوله المعتزلة بل بإذن الله تعالى وهو معنى الكسب عنده ، وأما قوله في شرح المواقف » : إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها ليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد ، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له ، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، ففيه بحث من وجوه :

أما أولاً : فلأن هذا ليس مذهب الشيخ المذكور في آخر تصانيفه التي استقر عليها الاعتماد وذكره في غيره إن سلم ، لا يعول عليه لكونه مرجوحاً مرجوعاً عنه وأما ثانياً : فلأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق أمراً أو نهياً بالأفعال الاختيارية أنفسها لا بمقارنة القدرة والإرادة لها فمكسوب العبد نفس الفعل الاختياري ، والمراد بكسبه إياه تحصيله إياه بتأثير قدرته بإذن الله تعالى لا مستقلاً ، فالقول بأن المراد بكسب العبد للفعل هو مقارنة الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير لا يوافق ما اقتضاه صرائح الكتاب والسنة ونصوص «الإبانة » ، ويزيده وضوحاً حديث أبي هريرة «أنه لما نزل { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } [ البقرة : 284 ] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها » الحديث فإنه صريح بأن الذي كلفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال وهو نفس الصلاة وأخواتها لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وأما ثالثاً : فلأن مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي الكسب ، لكانت هي المكلف بها ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً لأن المقارنة أمر يترتب على فعل الله تعالى أي على إيجاد الله تعالى الفعل الاختياري مقارناً لهما وما يترتب على فعل الله تعالى ليس مقدوراً للعبد أصلاً لأن معنى كون الشيء مقدوراً له أن يكون ممكن الإيقاع بقدرته عند تعلق مشيئته به الموافقة لمشيئة الله تعالى كما هو واضح من حديث : " من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه " وما يترتب على فعل الله تعالى لا يكون مقدوراً للعبد بهذا المعنى إذ لو كان مقدوراً له ابتداءاً لزم أن لا يكون مترتباً على فعل الله تعالى ، أو بواسطة لزم أن يكون فعل الله تعالى المترتب عليه هذا مقدوراً للعبد واللازم باطل بشقيه بعد القول بنفي التأثير أصلاً فكذا الملزوم وأما رابعاً : فلأن المقارنة لكونها مترتبة على فعل الله تعالى لا تختلف بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة فلو كانت هي المكلف بها لاستوى بالنسبة إلى العبد التكليف بأشق الأعمال والتكليف بأسهلها مع أن نص الكتاب التكليف بحسب الوسع ونص السنة أن المملوك لا يكلف إلا ما يطيق ، شاهدان على التفاوت كما أن البديهة تشهد بذلك ، واعترض هذا من وجوه الأول : أن القول بأن من المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال يقتضي أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا بدّ فيها من حكمة ومصلحة وهو مسلم ، لكن لا نسلم أنه لا بدّ أن تظهر هذه المصلحة لنا ، إذ الحكيم لا يلزمه اطلاع من دونه على وجه الحقيقة كما قاله القفال في «محاسن الشريعة » وحينئذٍ فما المانع من أن يقال هناك مصلحة لم نطلع عليها ، ويجاب بأنا لم ندع سوى أن الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أمر وخلق تفضلاً ورحمة لا وجوباً وهذا ثابت بقوله تعالى : { صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } [ النمل : 88 ] وقوله سبحانه : { أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } [ السجدة : 7 ] وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى وإن مقتضى الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكن منه ويقدر عليه كما تشهد له النصوص ولم ندع وجوب ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه ولا ما يستلزم ذلك ، وبيان وجه الحكمة لحكم واحد لا يستلزم دعوى الكلية ويؤول هذا إلى أن الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا مع عدم وجوب الاطلاع عليه .

والثاني : أن القول بأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق الخ فيه أنه ليس المراد مطلق المقارنة بل المقارنة على جهة التعلق فالكسب عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير كما في عبارة غير واحد ، فالأوامر والنواهي متعلقة بالأفعال التي هي اختيارية في الظاهر باعتبار هذا التعلق الذي لا تأثير معه وادعاء أنها صرائح في التعلق مع التأثير ، ممنوع بل هي محتملة ولو سلم أنها ظاهرة في التأثير ، فالظاهر قد يعدل عنه لدليل خلافه ، والقول بأنا لا نفهم من تعلق القدرة إلا تأثيرها وإلا فليست بقدرة ، فكيف يثبت للقدرة تعلق بلا تأثير سؤال مشهور وجوابه : ما في «شرح المواقف » وغيره من أن التأثير من توابع القدرة ، وقد ينفك عنها ويجاب بأن تفسير الكسب بالتعلق الذي لا تأثير معه مراداً به التحصيل بحسب ظاهر الأمر فقط ، مصادم للنصوص الناطقة بأن العبد متمكن من إيجاد أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى ، ولا دليل على خلافه يوجب العدول ، و

{ الله خالق كُلّ شَىْء } [ الرعد : 16 ] لا ينافي التأثير بالإذن على أن تعلق القدرة تابع للإرادة وتعلقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح كما يشير إليه كلام الجلال الدواني في بيان مبادىء الأفعال الاختيارية ، ويوضحه كلام حجة الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من «الإحياء » ، وأما ما في «شرح المواقف » وغيره من أن التأثير قد ينفك عن القدرة فنحن نقول به ؛ إذ ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الإنكار على نفي التأثير بالكلية عن القدرة الحادثة والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في «الاقتصاد » من أن القدرة الأزلية متعلقة في الأزل بالحادث ولا حادث ، فصح التعلق ولا تأثير ، ويجوز أن تكون القدرة الحادثة كذلك مجاب عنه بأن القدرة لا تؤثر إلا على وفق الإرادة ، والإرادة تعلقت أزلاً بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها اللائقة بها في الحكمة فعدم تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثرة على وفق الإرادة لا مطلقاً فلا يجب تأثيرها قبل الوقت ويجب تأثيرها فيه والقدرة الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يصدق عليها أنها تؤثر وفق الإرادة فلا يصح قياسها على القديمة . / والحاصل : إن كل تعلق للقديمة على وفق الإرادة لا ينفك عنه التأثير في وقته بخلاف الحادثة فإنه لا تأثير لها أصلاً على القول بنفي التأثير عنها كليّاً فلا تعلق لها بالتأثير على وفق الإرادة .

والثالث : أن القول في الاعتراض الثالث أنه لو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً الخ يقال عليه : نلتزم وقوعه عند الأشعري ولا محذور فيه ، ويجاب بأنه قد حقق في موضعه أن الإمام الأشعري لم ينص على ذلك ولا يصح أخذه من كلامه فالتزام وقوعه عنده التزام ما لم يقل به لا صريحاً ولا التزاماً . والقول بأنه لا محذور فيه إنما يصح بالنظر إلى الغنى الذاتي وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم فالتزامه مصادمة للنص وأي محذور أشنع من هذا .

والرابع : أن القول هناك أيضاً أن المقارنة لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها ، غير لازم ، فإن الكسب يطلق على المعنى المصدري ويطلق على المفعول أي المكسوب وهو نفس الأمر لا الكسب بمعنى المقارنة أو تعلق القدرة الحادثة بالفعل فمعنى كسب ، تعلقت قدرته بالفعل ، وإن شئت قلت : قارنت قدرته الفعل فكان الفعل مكسوباً وهو المكلف به ، ويجاب بأن الكسب الحقيقي الوارد في الكتاب والسنة معناه تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثرة بإذنه وإن مكسوبه ما حصله بقدرته المذكورة فمعنى كون الفعل المكسوب مكلفاً به ، هو أن العبد المكلف مطلوب منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري ، لأن المكسوب هو الحاصل بالمصدر فإذا كان المكسوب مكلفاً به كان الكسب بالمعنى المصدري مكلفاً به قطعاً لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلف ضرورة انتفاء الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلف فظهرت الملازمة في الشرطية .

والخامس : إن القول في الاعتراض أن المقارنة لكونها أمراً مترتباً على فعل الله تعالى لا تختلف الخ ، فيه أمران : الأول : أنا لا نسلم التلازم بين كون المقارنة هي المكلف بها وبين عدم الاختلاف ، وأيّ مانع من أن تكون مختلفة باعتبار أحوال الشخص عندها فتارة يخلق الله تعالى فيه صبراً وعزماً وتارة جزعاً وفتوراً إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى ويصرف عبده فيها كيف شاء مما يوجب ألماً أو لذة . الثاني : إن ما ذكرتموه مشترك الإلزام ؛ إذ يقال إذا كانت قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى فبأي وجه وقع الاختلاف حتى كان هذا سهلاً وهذا صعباً وكلاهما مقدور وهما متساويان في الإمكان .

ويجاب ، أما عن الأول : بأن التلازم بين كونها مترتبة على فعل الله تعالى وبين عدم اختلافها متحقق لأنها إذا كانت الكسب بالمعنى المصدري كانت تحصيلاً للمكسوب والتحصيل لكونه قائماً بالمكلف تتفاوت درجاته صعوبة وسهولة قطعاً ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب » والمقارنة لكونها أمراً مرتباً على فعل الله تعالى ليست قائمة بالعبد فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلاً ، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضها بخلق الله تعالى عنده صبراً في العبد الخ خارج عن المقصود لأن العبارة صريحة في أن المقصود عدم اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة لا مطلق الاختلاف ، وأما عن الثاني : فبأنه قد دلت النصوص على تفاوت درجات القوة والبطش كقوله تعالى : { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً } [ غافر : 82 ] وقوله سبحانه : { كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ } [ غافر : 21 ] وقوله عز شأنه :

{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } [ الزخرف : 8 ] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء التابع لاستعداداتهم الذاتية الغير المجعولة ، وقع الاختلاف في الأعمال صعوبة وسهولة ، هذا ما ظفرنا به من تحقيق الحق من كتب ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم وجعل أعلى الفردوس قرارهم ، وإنما استطردت هذا المبحث هنا مع تقدم إشارات جزئية إلى بعض منه ؛ لأنه أمر مهم جداً لا تنبغي الغفلة عنه فاحفظه فإنه من بنات الحقاق لا من حوانيت الأسواق ، والله تعالى الموفق لا رب غيره .

{ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ * العالمين } يحتمل أن يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبي أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهودياً أو نصرانياً " ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ، ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءاً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة «أنه لما نزلت { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } [ آل عمران : 85 ] الآية قال اليهود : فنحن مسلمون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا فنزل { وَمَن كَفَرَ } » الآية . ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله فأنزل الله سبحانه { وَمَن كَفَرَ } الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس ، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية : { وَمَن كَفَرَ } بالحج فلم ير حجه براً ولا تركه مأثماً ، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلت قام رجل من هذيل فقال : يا رسول الله من تركه كفر ؟ قال : " من تركه لا يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك " ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلاً لمن زعم أن مرتكب الكبيرة كافر ، و { مِنْ } تحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر وأن تكون موصولة ، وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل فإن الله غني عنهم .

ويجوز أن يبقى الجمع على عمومه ويكتفى عن الضمير الرابط بدخول المذكورين فيه دخولاً أولياً والاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط على ما قيل ، ولهذا صح جعله جزاءاً وإن أبيت فهو دليله .

وفي الآية كما قالوا فنون من الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه ، وعدوا من ذلك إيثار صيغة الخبر وإبرازها في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في ذمم الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانياً وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء والعالمين . وذكر الطيبي أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر ، الدلالة على أن ذلك عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها وأن في إقامة المظهر وهو البيت مقام المضمر بعد سبقه منكراً ، المبالغة في وصفه أقصى الغاية كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب ؛ وكذا في ذكر الناس بعد ذكره معرفاً ، الإشعار بعلية الوجوب وهو كونهم ناساً ، وفي تذييل { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } لأنها في المعنى تأكيد الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة وهو النعمة العظيمة وأن مباشره مستأهل لأن الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضاً كاملاً كما كان ساخطاً على تاركه سخطاً عظيماً ، وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات والعود إلى ذكرهم بعد ، خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة ، واستأنس بعضهم لكونه عبادة عظيمة بأنه من الشرائع القديمة بناءاً على ما روي أن آدم عليه السلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً وأن جبريل قال له : إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة ؛ وادعى ابن إسحق أنه لم يبعث الله تعالى نبياً بعد إبراهيم إلا حج ، والذي صرح به غيره أنه ما من نبي إلا حج خلافاً لمن استثنى هوداً وصالحاً عليهما الصلاة والسلام ، وفي وجوبه على من قبلنا وجهان قيل : الصحيح أنه لم يجب إلا علينا واستغرب ، وادعى جمع أنه أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ، وفي وقت وجوبه خلاف فقيل : قبل الهجرة ، وقيل : أول سنيها وهكذا إلى العاشرة وصحح أنه في السادسة ، نعم حج صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججاً لا يدرى عددها والتسمية مجازية باعتبار الصورة بل قيل ذلك في حجة الصديق رضي الله تعالى عنه أيضاً في التاسعة لكن الوجه خلافه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤمر إلا بحج شرعي ، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة وبعد ذلك حجة الوداع لا غير .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم } المشتمل على الرضا والتسليم والانبساط واليقين والمكاشفة والمشاهدة والخلة والفتوة أو المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسكر والصحو ، أو جميع ذلك { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } من غوائل نفسه لأنه مقام التمكين وتطبيق ذلك على ما في الأنفس أن البيت إشارة إلى القلب الحقيقي ، ويحمل ما ورد أن البيت أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض وخلق قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته على ذلك وظهوره على الماء حينئذٍ تعلقه بالنطفة عند خلق سماء الروح الحيوان وأرض البدن ، وخلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه وحدوث البدن ، وتقييد ذلك بألفي عام إشارة إلى تقدمه على البدن بطورين : طور النفس وطور القلب تقدماً بالرتبة ؛ ؛ إذ الألف رتبة تامة ، وكونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره ، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكون البدن من تأثيره وكون أشكاله وصور أعضائه تابعة لهيئاته ، ولا يخفى أن محل تعلق الروح بالبدن واتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصنوبري وهو أول ما يتكون من الأعضاء وأول عضو يتحرك وأخر عضو يسكن فيكون ( أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) الصدر صورة ، أو أول متعبد وضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة الصدر المعنوي الذي هو أشرف مقام في النفس وموضع ازدحام القوى إليه ، ومعنى كونه ( مباركاً ) أنه ذو بركة إلهية بسبب فيض الخير عليه ، وكونه ( هدى ) أنه يهتدي به إلى الله تعالى والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف والحكم والحقائق ، و ( مقام إبراهيم ) إشارة إلى العقل الذي هو مقام قدم إبراهيم الروح يعني محل اتصال نوره من القلب ولا شك أن من دخل ذلك ( كان آمناً ) من أعداء سعالى المتخيلة وعفاريت أحاديث النفس واختطاف شياطين الوهم وجن الخيالات واغتيال سباع القوى النفسانية وصفاتها .

{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } ( آل عمران ؛ 97 ) وهم أهل معرفته عز شأنه ، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا قعدوا .

يحكى عن بعضهم أنه قال : قلت للشبلي : إني حججت فقال : كيف فعلت ؟ فقلت : اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لي : عقدت به الحج ؟ فقلت : نعم ، قال : فسخت بعقدك كل عقد عقدت منذ خلقت مما يضاد هذا العقد ؟ قلت : لا ، قال : فما عقدت ، ثم قال نزعت ثيابك ؟ قلت : نعم قال : تجردت عن كل فعل فعلت ؟ قلت : لا ، قال : ما نزعت ، فقال : تطهرت ؟ قال : نعم قال : أزلت عنك كل علة ؟ فقلت : لا قال فما تطهرت ، قال لبيت ؟ قلت : نعم قال : وجدت جواب التلبية مثلاً بمثل ؟ قلت : لا قال : ما لبيت ، قال دخلت الحرم ؟ قلت : نعم قال : اعتقدت بدخولك ترك كل محرم ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : أشرفت على مكة ؟ قلت : نعم قال : أشرف عليك حال من الله تعالى ؟ قلت لا قال : ما أشرفت ، قال : دخلت المسجد الحرام ؟ قلت : نعم قال : دخلت الحضرة ؟ قلت : لا قال : ما دخلت المسجد الحرام ، قال : رأيت الكعبة ؟ قلت : نعم قال : رأيت ما قصدت له ؟ قلت : لا قال ما رأيت الكعبة ، قال رملت وسعيت ؟ قلت : نعم قال : هربت من الدنيا ووجدت أمناً مما هربت ؟ قلت : لا قال : ما فعلت شيئاً ، قال : صافحت الحجر ؟ قلت : نعم قال : من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافح الحق ظهر عليه أثر الأمن أفظهر عليك ذلك ؟ قلت : لا قال : ما صافحت ؛ قال : أصليت ركعتين بعد ؟ قلت : نعم قال : أوجدت نفسك بين يدي الله تعالى ؟ قلت : لا قال : ما صليت . قال : خرجت إلى الصفا ؟ قلت : نعم قال : أكبرت ؟ قلت : نعم فقال : أصفا سرك وصغرت في عينك الأكوان ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ولا كبرت . قال : هرولت في سعيك ؟ قلت : نعم قال : هربت منه إليه ؟ قلت : لا قال : ما هرولت ، قال : وقفت على المروة ؟ قلت : نعم قال : رأيت نزول السكينة عليك وأنت عليها : قلت لا قال : ما وقفت على المروة ، قال : خرجت إلى منى ؟ قلت : نعم قال : أعطيت ما تمنيت ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ، قال : دخلت مسجد الخيف ؟ قلت : نعم قال : تجدد لك خوف ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : مضيت إلى عرفات ؟ قلت : نعم قال : عرفت الحال الذي خلقت له والحال الذي تصير إليه ؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكراً له ؟ وهل تعرف الحق إليك بشيء ؟ قلت : لا قال : ما مضيت ، قال : نفرت إلى المشعر الحرام ؟ قلت : نعم قال : ذكرت الله تعالى فيه ذكراً أنساك ذكر ما سواه ؟ قلت لا قال : ما نفرت ، قال : ذبحت ؟ قلت : نعم قال : أفنيت شهواتك وإراداتك في رضاء الحق ؟ قلت : لا قال : ما ذبحت ، قال : رميت ؟ قلت : نعم قال : رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك ؟ قلت : لا قال : ما رميت ، قال : زرت ؟ قلت : نعم قال : كوشفت عن الحقائق ؟ قلت : لا قال : ما زرت ، قال : أحللت ؟ قلت : نعم قال : عزمت على الأكل من الحلال قدر ما تحفظ به نفسك ؟ قلت : لا قال : ما أحللت ، قال : ودعت ؟ قلت نعم قال : خرجت من نفسك وروحك بالكلية ؟ قلت : لا قال : ما ودعت ولا حججت وعليك العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك انتهى .

/ فهذا الذي ذكره الشبلي هو الحج الذي يستأهل أن يقال له حج ، ولله تعالى عباد أهّلهمْ لذلك وأقدرهم على السلوك في هاتيك المسالك فحجهم في الحقيقة منه إليه وله فيه فمطافهم حظائر القربة على بساط الحشمة وموقفهم عرفة العرفان على ساق الخدمة ليس لهم غرض في الجدران والأحجار وهيهات هيهات ما غرض المجنون من الديار إلا الديار ، ومن كفر وأعرض عن المولى بهوى النفس { فإن الله غني عن العالمين } [ آل عمران : 97 ] فهو سبحانه غني عنه لا يلتفت إليه

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (97)

قوله : ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) أي فيه علامات ظاهرات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم في الحجر الذي قام عليه فكان لقدميه فيه أثر . وقوله : ( مقام ) مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره منهن . أي في آيات بينات منهن مقام إبراهيم .

وقيل : مقام عطف بيان لقوله : آيات بينات . فإن قيل : كيف صح بيان الجماعة ( آيات ) بالواحد ( مقام ) ، قيل : اشتمال المقام على الآيات ؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة ، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة آلاف السنين آية . وقيل غير ذلك{[530]} .

قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) الضمير في قوله : ( دخله ) يراد حرم مكة : فإذا دخله الخائف فإنه يأمن من كل سوء ، كذلك كان الأمر في الجاهلية ، كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه أو يزعجه حتى يخرج . قال ابن عباس في تأويل هذه الآية : من عاذ بالبيت ، أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى فإذا خرج أخذ بذنبه ، وهو مذهب الحنفية إذ قالوا : من لزمه القتل في الحل بقصاص أوردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له إلا أنه لا يُؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج{[531]} .

ومثل ذلك قوله تعالى : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) .

وفي تحريم مكة من حيث حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره ، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها ونحو ذلك من وجوه التحريم ؛ فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " وقال يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار . فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى{[532]} خلاها " وكذلك أخرج مسلم عن أبي شريح العدوي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم فتح مكة : " إن مكة حرمها الله ولمي حرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب " .

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول : " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " {[533]} .

على أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) وثم قولان رئيسان في ذلك :

القول الأول : تأويله أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن بها مأخوذا ، أي لم يؤخذ بجريرته مادام عائذا بالبيت ، أما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله ، فمن سرق فيه قطع ، ومن زنا فيه أقيم عليه الحد ، ومن قتل فيه قتل ، وبذلك يكون تأويل الآية أن من يدخله من الناس كان آمنا به في الجاهلية دون الإسلام .

القول الثاني : معنى ذلك أن من يدخله يكن آمنا بمعنى الجزاء . كقوله القائل : من قام لي أكرمته . وقد كان ذلك في الجاهلية لما كان الحرم مفزع كل خائف وملجأ كل جانٍ ؛ لأنه لم يكن يهاج به ذو جريرة ولا يعرض فيه الرجل لقاتل أبيه وابنه بسوء ، وكذلك هو في الإسلام ؛ لأن الإسلام زاد البيت تعظيما وتكريما . قال ابن عباس في ذلك : إذا أصاب الرجل الحد : قتل أو سرق فدخل الحرم ، لم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد . وذكر عنه قوله أيضا : إذا أحدث الرجل حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له ولم يؤو ولم يبايع ولم يجالس ولم يكلم ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج من الحرم ، فإذا خرج منه أخذ فأقيم عليه الحد .

وعن عطاء بن أبي رباح ، في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم قال : لا يبيعه أهل مكة ولا يشترون منه ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤونه ، عدّ أشياء كثيرة- حتى يخرج من الحرم فيؤخذ بذنبه .

وذهب آخرون إلى أنه يٌخرج من الحرام قسرا ليلقى جزاءه خارجه ، وهو قول ابن الزبير ومجاهد والحسن . فقد قالوا : معنى ذلك أن من دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه ، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه ، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه . فتأويل الآية بذلك : فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه حتى يخرج منه .

واختلفوا في صفة إخراجه من البيت فقال بعضهم : صفة ذلك معنى المعاني التي يضطر مع منعه منها إلى الخروج من الحرم . وقيل غير ذلك .

وثمة قول ثالث في تأويل الآية ، وهو أن من دخله يكن آمنا من النار{[534]} .

قوله : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) اللام في قوله : ( ولله ) لا الإيجاب والإلزام . ثم أكد ذلك بقوله تعالى : ( على ) وهي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب . وبذلك ذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته{[535]} .

والحج في اللغة بمعنى القصد ، والحج بالكسر الاسم ، والحجة بالكسر أيضا المرة الواحدة ، والحجة بالكسر أيضا تعني السنة ، والجمع الحجج .

أما معناه في الاصطلاح الشرعي فهو : قصد مكة من أجل النسك في وقت معلوم{[536]} .

إذا تبين ذلك نقول : يجب الحج على كل مسلم مكلف ذكرا أو أنثى مرة واحدة في العمر ، وذلك بالنص والإجماع . فقد روي الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل : أكلّ عام يا رسول ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال : " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم . وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " {[537]} .

أما تفصيل القول في المناسك من بيان لأحكام الحج والعمرة فقد تعرضنا لكثير من ذلك في سورة البقرة . ومع ذلك نقتضب بعضا من الأحكام عن مناسك الحج فنقول : إن فريضة الحج ثابتة في الكتاب والسنة بما يدل على التراخي وليس على الفور ، وهو قول كثير من أهل العلم ، منهم الإمام مالك وكذا الشافعي . وقال به بعض الحنفية ، ودليلهم في ذلك أن الله تعالى قال في سورة الحج : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) وسورة الحج مكية . وقال تعالى : ( ولله على الناس حج البيت ) وهذه السورة مدنية نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سنة عشر .

ويدل على كونه على التراخي إجماع العلماء على عدم تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين أو نحو ذلك . وهو عند جميع العلماء ليس كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروجها وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ، ولا كمن أفسد حجه فقضاه ، ولكنه إذا أدى فريضة الحج خلال عمره يكون مؤديا للفريضة وكفى ، وليس عليه بعد بأس أو تقصير . وقد أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما وجب عليك . فيفهم من ذلك أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور . وقد خالف في ذلك فريق من العلماء فيهم أهل الظاهر وبعض المالكية ، إذ قالوا بوجوب الحج على الفور لا على التراخي ، وبذلك من قدر على الحج فأخره عاما أو أكثر فقد احتمل إثما للتأخير . ولا نجد لهم في هذا القول من احتجاج غير الاعتماد على ظاهر الآية وهو ما ليس فيه استدلال مستبين على الفورية{[538]} وعلى هذا فالقول الأول هو الصواب والله تعالى أعلم .

وإنما يجب الحج على المكلف ، وهو العاقل البالغ الحر المريد ، فلا يجب على المجنون ولا الصغير ولا العبد ، ولا من كان معدوم الإرادة كما لو كان سجينا أو حبيسا أو مقيدا في الأغلال ، فأولئك غير مطالبين بفريضة الحج حتى تزول عنهم موانع الوجوب ، وعلى هذا اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكورا وإناثا ما عدا الصغير ، فإنه خارج عن دائرة الوجوب بالإجماع ؛ لكونه غير مكلف ، وكذلك العبد غير داخل في أصول التكليف ؛ لعدم استطاعته ، وكذا الأمة لا تكلف بالحج .

قال ابن المنذر في هذا الصدد : أجمع عامة أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعد خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره ، والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد إن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا{[539]} .

قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) ( من ) بدل بعض من الكل وهو الناس . وقيل : ( مَنِ ) أداة شرط . والأول أظهر .

أما السبيل ففي تأويله تفصيل . على أن جملة القول في ذلك أن استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول . ويعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن وزوال خوف التلف مما يخشى منه على النفس كسبع أو عدو أو فقدان الطعام والشراب ، وكذلك القدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع ما عليه من الدين وأني راد ما لديه من الودائع . وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في الذهاب وفي المجيء{[540]} .

والمراد بالسبيل التي يجب مع استطاعتها فرض الحج هو الزاد والراحلة ، وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء ، ويحتج لذلك من الخبر بما رواه الحاكم من حديث قتادة بإسناد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن قول الله عز وجل : ( من استطاع إليه سبيلا ) فقيل : ما السبيل ؟ قال " الزاد والراحلة " {[541]} قال ابن عباس في تأويل قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به .

المراد بالزاد مؤونة السفر مما يحتاج إليه الحاج في سفره كالطعام والكساء ونحوهما ، يضاف إلى ذلك ما يلزمه في هذا العصر من رسوم مالية يؤديها ضريبة للمرور ، أو غير ذلك من وجوه المغارم المنكودة مما يعاني منه المسلمون ، وخاصة في زماننا هذا ، وذلك كلما جاوز بلده إلى غيره من بلدان المسلمين كالحجاز .

أما الراحلة فهي في اللغة الناقة التي تصلح ؛ لأن ترحل{[542]}وهي أحد الشرطين لتحصيل السبيل من أجل وجوب الحج . وعلى هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه ، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهم سقط عنه فرض الحج ، وهو قول كثر العلماء ، ويؤيد ذلك من الدليل جواب الرسول صلى الله عليه و سلم لما سئل عن السبيل فقال : " الزاد والراحلة " {[543]} .

أما إن كان قادرا على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في الطريق فلا يلزمه الحج وجوبا ، بل يستحب في حقه استحبابا . وإن قدر على تحصيل الزاد بمسألة الناس يتكففهم في الطريق كره له الحج ؛ لأنه يصير بذلك كلا على الناس وهو ما لا يليق بكرامة المسلم وشهامته . وقيل : إذا قدر على المشيء ووجد الزاد فعليه فرض الحج وإن لم يجد الراحلة . وأجد أن في مثل هذا القول حرجا بالغا يصيب المسلم ويكلفه من التعسير والإعنات ما لا يطاق إلا بغاية من المشقة والكرب . وقد تعلمنا من شريعة ربنا قيام هذا الدين على السهولة واليسر ومنافاته للعنت والضيق وذلك في قوله عز من قائل : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .

وإذ كان المرء المكلف مستطيعا بما تحصل له من زاد وراحلة ، لكنه ربنا يعرض له ما يمنعه من الحج كالغريم ( الدائن ) يطالبه بالأداء فإن ذلك يمنعه عن الخروج حتى يؤدي الدين للغريم ، أو يكون له عيال يناط به الإنفاق عليهم فإنه لا يلزمه الحج حتى تتوفر لهم نفقتهم مدة غيبته طيلة ذهابه ورجوعه ؛ لأن هذا الإنفاق فرض على الفور ، لكن الحج فرض على التراخي ، فكان تقديم الإنفاق على العيال أولى وكذلك يسقط الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو الأموال .

وإذا لم يكن ثمة موانع لكنه لا يملك الناضّ{[544]} من المال بما يكفيه للحج ، لكن عنده عروض للبيت كالأثاث والفرض فهل يبيع شيئا من ذلك لكي يحج ؟ ثمة قولان في ذلك وهما : وجوب البيع وعدمه . والراجح عندي عدم وجوب البيع ليصير الحج في حقه غير مفروض مادام لا يملك مؤونة الحج من غير عروض البيت . لأن في بيع الأثاث وفرش البيت حرجا علاوة على أن مثل هذا الأثاث هو من قبيل المال المستهلك الذي لا ينبغي التعويل عليه عند تحصيل الزاد للسفر ولو كان مريضا أو معضوبا{[545]} لا يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها فهو بمنزلة من قطعت أعضاؤه إذ لا يقدر على شيء . وثمة خلاف بين العلماء في حكم ذلك بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما المسيرة إلى الحج ؛ ه لأن الحج ؛ لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا ، أما المريض والمعضوب فلا يستطيعان المسير أو السفر . وقد قال الإمام مالك : إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج أصلا سواء كان قادرا على إنابة من يحج عنه بالمال أو بغير المال فلا يلزمه فرض الحج . ولو وجب عليه الحج ثم أصابه عضب أو زمانة ، فقط سقط عنه فرض الحج ولا يجوز أن ينيب عنه من يحج عنه حال حياته ، لكنه إن أوصى أن يُحج عنه بعد موته جاز على أن يكون من الثلث وكان ذلك تطوعا . ودليل ذلك قوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ولأن الحج هو قصدُ المكلفِ البيتَ بنفسه ، ثم إنه عبادة وهي لا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم ، ذلك هو الظاهر من مذهب المالكية في المسألة ، خلافا لجمهور الحنفية والشافعية والحنبلية إذ قالوا : المريض الزمن والمعضوب والشيخ الكبير إن كان ثمة من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع تماما ويجب في حقه الحج في الجملة . وصورة ذلك من وجهين :

أحدهما : أن يكون قادرا على مال يستأجر به من يحج عنه ، فإنه يلزمه بذلك فرض الحج . وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه . فقد روي عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج : جهز رجلا يحج عنك ، وهو مذهب الجمهور كما ذكرنا آنفا .

وثانيهما : أن يكون قادرا على ما يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه ، فقد لزم هذا الحج عنه . وهو قول الشافعية والحنبلية وآخرين . واحتجوا لذلك بما رواه ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " فحجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته " ؟ قالت : نعم ، قال : " فّدين الله أحق أن يقضى " فقد أوجب النبي صلى الله عليه و سلم الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحج عنه . فإذا وجب في حقه الحج بطاعة ابنته له ، فإن من الأولى وجوبه عليه عند قدرته على المال الذي يستأجر به . وإذا لم يكن للمكلف قوت يتزود به في الطريق فإنه لا يلزمه الحج . وإن وهب له أجنبي مالا يحج به فإنه لا يلزمه قبوله ولا يجب في حقه الحج ؛ لما يلحقه في ذلك من المنّة . وهو ما لا خلاف فيه{[546]} .

ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى التحول المذهل في وسائل النقل وأساليب السفر في هذا العصر حيث السفائن تمخر عباب البحار لتفضي إلى البلاد الحجازية خلال سويعات من نهار ، أو الطائرات التي تجوب أجواز الفضاء لتبلغ في دقائق معدودات ما لم تبلغه الرواحل الظواعن في الزمان المنصرم ، وما يستلزمه ذلك من أعباء مالية لا يستهان بها ، إن ذلك ينبغي اعتباره في الحسبان لدى النظر في حقيقة الراحلة كشرط لوجوب الحج . يضاف إلى ذلك ما بيناه سابقا وهو اضطلاع الحجيج بضرائب السفر يؤدونها للدول عند المجاوزة أو المرور .

قوله : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) أي من جحد فريضة الحج ولم يره واجبا فقد كفر والله غني عنه . وهو قول كثير من أهل العلم منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

وفي ذلك روى الترمذي عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) " {[547]} .

وروي عن عمر بن الخطاب قوله في هذا المعنى : من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا ، وعن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من عنده جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين{[548]} .


[530]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 447 وتفسير البيضاوي ص 82.
[531]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 140 والكشاف جـ 1 ص 448.
[532]:- يختلى خلاها: يختلى أي يقطع. خليت الخلى قطعته، والخلى: الرطب من الحشيش . انظر مختار الصحاح ض 189.
[533]:تفسير ابن كثير جـ 1 ص 384
[534]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 10 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 140 والكشاف جـ 1 ص 448.
[535]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 142 وفتح القدير جـ 1 ص 363.
[536]:- مختار الصحاح ص 122 والقاموس المحيط جـ 1 ص 188 وتفسير البيضاوي ص 82.
[537]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 385.
[538]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 144.
[539]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 145.
[540]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 168..
[541]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 386.
[542]:- مختار الصحاح ص 238.
[543]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 12.
[544]:- الناض: من النض، بالفتح والتشديد. وهو الدرهم والدينار، ويسمى ناضا إذا تحول عينا بعد أن كان متاعا. والمراد بالأعيان النقدان وهما الذهب والفضة، أنظر القاموس المحيط جـ 2 ص 358.
[545]:- المعضوب : الضعيف والزمن الذي لا حراك به، والعضب القطع، انظر القاموس المحيط جـ 1 ص 109. والمصباح المنير جـ 2 ص 64.
[546]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 151، 152.
[547]:- الترمذي جـ 3 ص 176.
[548]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 386.