{ وَقَالَتِ اليهود } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة والضحاك قالوا : إن الله تعالى قد بسط لليهود الرزق فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم / كف عنهم ما كان بسط لهم ، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء رأس يهود قينقاع ، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما النباش بن قيس { يَدُ الله } عز وجل { مَغْلُولَةً } وحيث لم ينكر على القائل الآخرون ورضوا به نسبت تلك العظيمة إلى الكل ، ولذلك نظائر تقدم كثير منها ، وأرادوا بذلك لعنهم الله تعالى أنه سبحانه ممسك ما عنده بخيل به تعالى عما يقولون علواً كبيراً فإن كلاً من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ، أو كناية عن ذلك ، وقد استعمل حيث لا تصح يد كقوله :
جاد الحمى بسط ( اليدين ) بوابل *** شكرت نداه تلاعه ووهاده
ولقد جعلوا للشمال يداً كما في قوله :
أضل صواره وتضيفته *** نطوف أمرها بيد ( الشمال )
وغداة ريح قد كشفت وقرة *** إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
ويقال : بسط اليأس كفيه في صدر فلان ، فيجعل لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان ، قال الشاعر :
وقد رابني وهن المنى وانقباضها *** وبسط جديد اليأس كفيه في صدري
وقيل : معناه إنه سبحانه فقير ، كقوله تعالى : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] ، وقيل : اليد هنا بمعنى النعمة أي إن نعمته مقبوضة عنا ، وعن الحسن أن المعنى أن يد الله تعالى مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل ، وكأنه حمل اليد على القدرة ، والغل على عدم التعلق . وقيل : لا يبعد أن يقصدوا اليد الجارحة فانهم مجسمة ، وقد حكي عنهم أنهم زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية قاعد على كرسي ، وأنه فرغ من خلق السموات والأرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وإحدى يديه على صدره للاستراحة مما عراه من النصب في خلق ذلك تعالى الله سبحانه عما يقولون علواً كبيراً .
والأقوال كلها كما ترى ، وكل العجب من الحسن رضي الله تعالى عنه من قوم ذلك وليته لم يقل غير الحسن ، ولعل نسبته إليه غير صحيحة ، والذي تقتضيه البلاغة ويشهد له مساق الكلام القول الأول ، ولا يبعد من قول قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وعبدوا العجل أن يعتقدوا اتصاف الله عز وجل بالبخل ويقولوا ما قالوا ، وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدي معناه إلى أن الله تعالى عز شأنه يبخل في حال ويجود في حال آخر ، فحكى عنهم على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم .
وقال آخر : إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسع سبحانه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه ؛ ولا يخفى أن ما روي في سبب النزول لا يساعد ذلك ، وقيل : إنهم قالوا ذلك على سبيل الاستفهام والاستغراب ، والمراد يد الله سبحانه مغلولة عنا حيث قتر المعيشة علينا ، ولا يخفي بعده .
{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم بالبخل المذموم كما قال الزجاج ودعاؤه بذلك عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم ، ولا استحالة في ذلك على مذهب أهل الحق ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم بالفقر والمسكنة ، وقيل : تغل الأيدي حقيقة ، يغلون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم ، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيساً ، وقيل : هي من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبني سب الله تعالى دابره ، أي قطعه لأن السب أصله القطع ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، واستطيبه الطيبي ، وقال : إن هذه مشاكلة لطيفة بخلاف قوله :
قالوا : اقترح شيئاً نجد لك طبخه *** قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا
واختار أبو علي الجبائي أن ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاء هذه الكلمة العظيمة ، وحكاه الطبرسي عن الحسن ، ثم قال : «فعلى هذا يكون الكلام بتقدير الفاء أو الواو ، فقد تم كلامهم واستؤنف بعده كلام آخر ، ومن عادتهم أن يحذفوا فيما يجري هذا المجرى ، ومن ذلك قوله : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } [ البقرة : 67 ] » ، وأنت تعلم أن مثل هذا على الاستئناف البياني ، ولا حاجة فيه إلى تجشم مؤونة التقدير ، على أن كلام الحسن فيما نرى ليس نصاً في كون الجملة إخبارية إذ قصارى ما قال : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } في جهنم وهو محتمل لأن يكون دعاء عليهم بذلك .
{ وَلُعِنُواْ } أي أبعدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه { بِمَا قَالُواْ } أي بسبب قولهم ، أو بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع ، وهذا دعاء ثان معطوف على الدعاء الأول ، والقائل بخبريته قائل بخيريته ، وقرىء { وَلُعِنُواْ } بسكون العين .
{ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس الشأن كما زعموا بل في غاية ما يكون من الجود ، وإليه كما قيل أشير بتثنية اليد ، فإن أقصى ما تنتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا بكلتا يديهم ، وقيل : اليد هنا أيضاً بمعنى النعمة ، وأريد بالتثنية نعم الدنيا ونعم الآخرة ، أو النعم الظاهرة والنعم الباطنة أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام ، وقيل : وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى ، وتثنيتها باعتبار تعلقها بالثواب وتعلقها بالعقاب ، وقيل : المراد من التثنية : التكثير كما في
{ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] والمراد من التكثير : مجرد المبالغة في كمال القدرة وسعتها لا أنها متعددة ، ونظير ذلك قول الشاعر :
فسرت أسرة طرتيه فغورت *** في الخصر منه وأنجدت في نجده
فإنه لم يرد أن لذلك الرشا طرتين إذ ليس للإنسان إلا طرة واحدة وإنما أراد المبالغة . وقال سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم : إن هذا من المتشابه ، وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين ، وقال : «وكلتا يديه يمين » ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة ، أو بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا ، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن ، وفي مصحف عبد الله بل يداه بسطان يقال : يد بسط بالمعروف ، ونحوه مشية سجح وناقة سرح .
{ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من ( كيف ) وفيها تنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها ، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها تدور أفلاك المعاش والمعاد ، وقد اقتضت الحكمة إذ كفروا بآيات الله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيق عليهم ، و { كَيْفَ } ظرف ليشاء والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير { يُنفِقُ } أي ينفق كائنا على أي حال يشاء أي على مشيئته أي مريداً ، وقيل : إن جملة { يُنفِقُ } في موضع الحال من الضمير المجرور في { يَدَاهُ } واعترض بأن فيه الفصل بالخبر وبأنه مضاف إليه ، والحال لا يجيء منه ، وردّ بأن الفصل بين الحال وذيها ليس بممتنع كما في قوله تعالى حكاية : { هذا * بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] إذ قيل : إن شيخاً حال من اسم الإشارة ، والعامل فيه التنبيه ، وأن الممنوع مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءاً أو كجزء أو عاملاً ، وههنا المضاف جزء من المضاف إليه ، أو كجزء فليس بممتنع ، وجوّز أن تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما ، ورد بأنه لاضمير لهما فيها ، وأجيب بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما أن ينفق بهما ، ومن هنا قيل : بجواز كونها خبراً ثانياً للمبتدأ ، نعم التقدير خلاف الأصل والظاهر ، وهو إنما يقتضي المرجوحية لا الامتناع ، وترك سبحانه ذكر ما ينفقه لقصد التعميم .
{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم ، أو المقيمون على الكفر منهم مطلقاً { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن المشتمل على هذه الآيات ، وتقديم المفعول للاعتناء به { مِن رَبّكَ } متعلق بأنزل كما أن إليك كذلك ، وتأخيره عنه مع أن حق المبدأ أن يقدم على المنتهي لاقتضاء المقام كما قال شيخ الإسلام الاهتمام ببيان المنتهى لأن مدار الزيادة هو النزول إليه صلى الله عليه وسلم ، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ، والموصول فاعل ليزيدنّ والاسناد مجازي ، و { كَثِيراً } مفعوله الأول ، و { مِنْهُمْ } صفته .
وقوله تعالى : { طغيانا وَكُفْراً } مفعوله الثاني أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين ، لأن الزيادة تقتضي وجود المزيد عليه قبلها ، وهذه الزيادة إما من حيث الشدة والغلو ، وإما من حيث الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار ، وهذا كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرض مرضاً ، ويحتمل أن يراد بما أنزل النعم التي منحها الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أي أنهم كفروا وتمادوا على الكفر وقالوا ما قالوا حيث ضيق الله تعالى عليهم وكف عنهم ما بسط لهم ، فمتى رأوا مع ذلك بسط نعمائه وتواتر آلائه على نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو أعدى أعدائهم ازدادوا غيظاً وحنقاً على ربهم سبحانه ، فضموا إلى طغيانهم الأول طغياناً وإلى كفرهم كفراً وحينئذ تلائم الآية ما قبلها أشد ملائمة إلا أن ذلك لا يخلو عن بعد ، ولم أر من ذكره .
{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ } أي اليهود . وقال في «البحر » : «الضمير لليهود والنصارى لأنه قد جرى ذكرهم في قوله سبحانه : { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى } [ المائدة : 51 ] ولشمول قوله عز وجل : { يا أَهْلِ الكتاب } [ المائدة : 59 ] للفريقين ، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد » . { العداوة والبغضاء } فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتحد كلمتهم ، فمن اليهود جبرية ومنهم قدرية ومنهم مرجئة ومنهم مشبهة ، و العداوة والبغضاء بين فرقة وفرقة قائمتان على ساق ، وكذا من النصارى الملكانية واليعقوبية والنسطورية ، وحالهم حالهم في ذلك ، وحال اليهود مع النصارى أظهر من أن تخفى ، ورجح عود الضمير إلى اليهود بأن الكلام فيهم ، وفائدة هذا الإخبار هنا إزاحة ما عسى أن يتوهم من ذكر طغيانهن وكفرهم من الاجتماع على أمر يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين ، وقال أبو حيان ( في البحر » 3/ 525 ) بعد أن أرجع الضمير للطائفتين : «إن المعنى لا يزال اليهود والنصارى متباغضين متعادين قلما توافق إحدى الطائفتين الأخرى ، ولا تجتمعان على قتالك وحربك ، وفي ذلك إخبار بالغيب فإنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ سل سيف الإسلام » .
وفرق السمين بين العداوة والبعضاء بأن العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو { إلى يَوْمِ القيامة } متعلق بألقينا وجوز أن يتعلق بالبغضاء أي إن التباغض بينهم مستمر ما داموا ، وليست حقيقة الغاية مرادة ، ولم يجوز أن يتعلق بالعداوة لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي .
{ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين ، والمراد كلما أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا مباديها ردّهم الله تعالى وقهرهم بتفرق آرائهم وحل عزائمهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ، فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب ، وقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال جعلوا علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب ، وهي إحدى نيران مشهورة عندهم ، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم ، وحكى في «البحر » قولين في الآية : «فعن قوم أن الإيقاد حقيقة ، وكذا الإطفاء أي أنهم كلما أوقدوا ناراً للمحاربة ألقى عليهم الرعب فتقاعدوا وأطفأوها ، وإضافة الإطفاء إليه تعالى إضافة المسبب إلى السبب الأصلي . وعن الجمهور إن الكلام مخرّج مخرج الاستعارة ، والمراد من إيقاد النار : إظهار الكيد بالمؤمنين الشبيه بالنار في الإضرار ، ومن إطفائها صرف ذلك عن المؤمنين ، ولعل القول بالكناية ألطف منهما ، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم هو المروي عن الحسن ومجاهد ، وقيل : هو أعم من ذلك أي كلما أرادوا حرب أحد غلبوا ، فإن اليهود لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط سبحانه عليهم فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط جل شأنه عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام » ، فأباد خضراءهم . واستأصل شأفتهم وفرق جمعهم وأذلهم فأجلى بني النضير وبني قينقاع ، وقتل بني قريظة وأسر أهل خيبر ، وغلب على فدك ، ودان له أهل وادي القرى ، وضرب على أهل الذمة الجزية وأبقاهم الله تعالى في ذل لا يعزون بعده أبداً ، وإطفاء النار على هذا عبارة عن الغلبة عليهم قاتلهم الله تعالى ، و { لّلْحَرْبِ } متعلق بأوقدوا واللام للتعليل ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لنار ، وهو الأوفق بالتسمية .
{ وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً } أي يجتهدون في الكيد للاسلام وأهله وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بإيقاد نار الحرب ؛ كتغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الشبه على ضعفاء المسلمين والمشي بالنميمة مع الافتراء ونحو ذلك ، و { فَسَاداً } إما مفعول له ، وعليه اقتصر أبو البقاء ، أو في موضع المصدر ، أو حال من ضمير { يَسْعَوْنَ } أي يسعون للفساد ، أو سعي فساد أو مفسدين . { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } بل يبغضهم ، ولذلك أطفأ ( نائرة فسادهم ) ، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، وإما للعهد ، ووضع المظهر موضع ضميرهم للتعليل وبيان كونهم راسخين في الإفساد . والجملة ابتدائية مسوقة لإزاحة ما عسى أن يتوهم من تأثير اجتهادهم شيئاً من الضرر ، وجعلها بعضهم في موضع الحال ، وفائدتها مزيد تقبيح حالهم وتفظيع شأنهم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالَتِ اليهود } لحرمانهم من الأسرار التي لا يطلع عليها أهل الظاهر { يَدُ الله } تعالى عما يقولون { مَغْلُولَةً } فلا يفيض غير ما نحن فيه من العلوم الظاهرة { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } وحرموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار أشجار الأسرار { وَلُعِنُواْ } أي أبعدوا عن الحضرة الإلهية { بِمَا قَالُواْ } من تلك الكلمة العظيمة { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ } بهما
{ كَيْفَ يَشَاء } [ المائدة : 64 ] فيفيض حسب الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على من وجده أهلاً لذلك ، وإلى الظاهر والباطن أشار صلى الله عليه وسلم «بالليل والنهار » فيما أخرجه البخاري وغيره " يد الله تعالى ملآى لا يغيضها سخاء الليل والنهار "
قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين } روي عن ابن عباس وآخرين في سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة إذ بسط الله لهم الرزق فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كذبوه وعصوه فكف الله عنهم ما كان بسط لهم وضيق عليهم معيشتهم ، عندها قال فنحاص بن عازوراء رأس يهود قينقاع : يد الله مغلولة . ولما لم ينكر الآخرون عليه مقالته بل رضوا بها ، نسبت هذه المقالة الفظيعة إلى الجميع . ومعنى قولهم : { يد الله مغلولة } أي أن الله سبحانه بخيل بما عنده ويده مقبوضة عنا في العطاء . فغل اليد مجاز عن البخل ، وبسطها مجاز عن الجود .
قوله : { غلت أيديهم } ذلك رد من الله عليهم لما قالوه وقابلهم فيما افتروه من باطل وائتفاك فدعا عليهم بالبخل المذموم . وقد وقع لهم ذلك إذ جعل في نفوسهم خليقة الشح والإمساك والضن بالخير . لا جرم أن فيهم من مثالب البخل والحسد والتدسس ما ليس له في غير نظير .
وقيل : المراد أنهم شدت أيديهم إلى أعناقهم في نار جهنم .
قوله : { ولعنوا } أي أبعدوا عن رحمة الله وفضله . وهذا دعاء ثان معطوف على الأول { غلت أيدهم } وذلك بسبب مقالة السوء والباطل التي اندلقت من أفواهم وهو ما نسبوه من البخل إلى الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، لذلك قال : { بما قالوا } أي بسبب ما قالوه من ائتفاك شنيع .
قوله : { بل يداه مبسوطتان } أي ، ليس الشأن ما كذبوا بل إن الله جلت قدرته جواد كريم . وهو في غاية ما يكون من الجود والسخاء . ويشير إلى ذلك تثنية اليدين مبالغة في الرد ونفي البخل عن جلاله سبحانه بما يدل على أقصى غايات العطاء والسخاء .
أما اليد فقد قيل في تأويلها جملة أقوال منها : أنها النعمة ، وأنها القوة ، وأنها الملك ، وأنها القدرة . وسائر هذه المعاني حاصلة في المراد باليد ، خلافا للتأويل المرفوض الذي تكلفته المجسمة ، إذ قالوا : يد الله عضو جسماني ككل أحد ذي يد . وهو تأويل باطل تكذبه أصول العقيدة وتدحضه نصوص الكتاب والسنة .
قوله : { ينفق كيف يشاء } الجملة في محل نصب على الحال من ضمير { ينفق } أي أن الله يرزق مثلما يريد ، فإن شاء قتر وإن شاء وسع ، كل ذلك وفق حكمته البالغة التي تقوم على أساسها الحياة والأحياء .
قوله : { وليزيدن كثيرا منهم ما أزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } اللام للقسم { كثيرا } مفعول به أول . ما في محل رفع فاعل . طغيانا مفعول به ثان . كفرا ، معطوف . والكثير المقصود في الآية هم علماء اليهود ، فإنهم يزدادون بنزول القرآن إنكالا وكفرا . فما كان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوالى عليه نزوله حتى يزداد علماء يهود وأحبارهم ورؤساؤهم تغيظا وعتوا ومبالغة في الإعراض والنكوص والتمرد .
قوله : { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } ذلك عقاب لأهل الكتاب في هذه الدنيا ، لما عتوا عن أمر ربهم ومكروا بأنبيائهم واعتدوا عليهم بالتكذيب والتنكيل والافتراء والقتل ، خصوصا هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وهو سراج العالمين وضياء الكون كله وإمام الثقلين في الدارين فقد كذبوه وآذوه وقابلوه بالكيد والصد والعدوان والقتال . وفي مقابل هذا الكفر والجحود والعدوان على الحق وأهله ابتلاهم الله بعذاب من عنده في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة جزاء لما فعلوه في حق الكتب الربانية المنزلة والأديان السماوية من تحريف وتشويه وافتراء .
على أن المقصود بالعداوة والبغضاء ما بين اليهود والنصارى من العدوان القديم .
وقيل : المقصود ما بين اليهود أنفسهم فهم فيما بينهم متباغضون متنافرون تطغى عليهم ظواهر الأنانية المقيتة والمشاحنات الممضة التي تمزق القلوب وتزرع الكراهية والمباغضة التي تفضي إلى الافتراق والشقاق ، ولا يغرن أحدا ما يجده في يهود من شعب يتظاهر بالالتئام في دولة صهيونية أقامها تحالف الاستعماريين والصليبيين والماسونيين والشيوعيين في فلسطين . لا يغترن أحد بالظاهر من الالتئام والاتفاق المصطنع الذي يخفي وراءه المباغضات والعداوات فيما بين الأفراد والأحزاب والطوائف . مباغضات وعداوات
لا يخفيها إلا كثافة الإعلام الكاذب . والتخوف من العدو المحدق المنتظر وهم المسلمون .
أما العداوة والبغضاء بين النصارى أنفسهم فذلك مستقر ومستطير . عداوة وبغضاء تزعجهم إزعاجا وتقض قلوبهم وأعصابهم قضا . فهم ما تكاد تتفق أهواؤهم وقلوبهم ولا تتحدد كلمتهم وشعوبهم . وإنما هم باقون على حالهم من الانقسام والشقاق والتنافر حتى تعصف بين دولهم وشعوبهم حروب القتل والتدمير في كثير من الأحايين وبخاصة في مطلع العصر الراهن وهذا القرن بالذات والذي حصدت فيه الحرب عشرات الملايين من الناس . وفي مقدمة ذلك الحرب العالمية الثانية تلك الحرب اللاهبة الضروس بين ما يسمى دول المحور بقيادة النازيين ، ودول الحلفاء بقيادة الأمريكيين والبريطانيين .
وربما يعيّرنا بعض المغرضين من الجهلة والمضلين فيقولون : لقد حصل مثل ذلك عند المسلمين . فيجاب عن ذلك بأنه قياس متهافت وموهوم . فلئن كان بين المسلمين مذاهب غريبة وشاذة فإنما هي صغيرة واهية ومحدودة . بل إنها بالغة الهوان والضعف فليس لها في واقع الإسلام والمسلمين تأثير يذكر سواء في العقيدة أو الفكر أو التصور أو حياة المجتمع . بل إن هاتيك المذاهب الغريبة والشاذة قد تلاشت وانقضت ومضى ذكرها وزمانها فما عادت تذكر إلا بين السطور في الكتب .
وذلك كالسبأية والغرابية والعلبائية والباطنية والمانية والجهمية والمشبهة والمجسمة والإسماعيلية والرافضة والزرادشتية وإخوان الصفا وغيرهم من المذاهب والفئات الشاذة التي ما كان لها أيما تأثير على المجتمع الإسلامي طيلة حياته . فهو المجتمع المتماسك المصون الذي بني على العقيدة السمحة الراسخة رسوخ الجبال الرواسي .
المجتمع الذي يستمد تصوره ومنهجه في الحياة من الكتاب والسنة . فالمسلمون في الحقيقة ، جلهم على السنة الصحيحة السليمة فهم على الدوام ملتئمون متفقون متحدون ، إلا من ندر ممن ليس له أثر .
قوله : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } المراد بالذين أوقدوا الحرب اليهود . أي كلما خططوا وأعدوا وجمعوا لإشعال الحرب خذلهم الله وأثار فيهم الرعب والجبن وأفضى بهم إلى التقهقر . وإيقاد نار الحرب كناية عن إشعال الحرب نفسها . وقيل : إظهار الكيد للمؤمنين وإطفاؤها معناه دفع شرهم أو صرف أذاهم وكيدهم عن المؤمنين . والمقصود بالحرب من اليهود محاربتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : أعم من ذلك . فأيما حرب خططوا لها أو أرادوا إثارتها كتب الله فيها لأعدائهم الغلبة فكان اليهود فيها مقهورين داخرين .
وقيل : إن اليهود لما خالفوا التوراة وحرفوها وبدلوها تبديلا أرسل الله عليهم الطاغية بختنصر فدمرهم تدميرا ، واستأصل شأفتهم استئصالا ، وبدد هيكلهم تبديدا وجعله شذر مذر . ثم أفسدوا فأرسل عليهم الرومان فقضوا عليهم وأذهبوا شوكتهم وأذلوهم إذلالا . ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس . ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ، فأزالوا شوكتهم وجعلوهم أهل ذمة يؤدون الجزية لدولة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وذرياتهم وأموالهم . لا جرم أن اليهود استظلوا بظل الإسلام والمسلمين إبان سلطانهم ردحا عظيما من الزمن فكانوا آمنين سالمين مطمئنين لا يمسهم رهب ولا ظلم ولا عدوان خلافا لما لاقوه من ويلات الإبادة والاستئصال والإذلال خلال عيشهم ووجودهم بين شعوب الأرض من غير المسلمين .
وإذا ما طرأت لليهود دولة في أرض المسلمين – كفلسطين – فلا جرم أن هذه ظاهرة مخالفة لطبيعة الأشياء ومناهضة لمنطق الحقيقة والتاريخ . وما كان لمثل هذه الظاهرة المذهلة أن تتجسد على سطح الواقع لولا انفتال المسلمين عن دينهم بعد أن خبت في قلوبهم جذوة العقيدة الدافعة الوهاجة وبعد أن تبددت وحدتهم وكلمتهم فتمزقوا في الأرض شعوبا واهية مستضعفة ، فضلا عن كثافة التمالؤ بين أعداء الإسلام من استعماريين وصليبيين وصهيونيين وشيوعيين وغيرهم عبر مؤامرة دولية هائلة كبرى خطط لها في الظلام لكسر المسلمين وتدمير سلطانهم ومجدهم وقتلهم بددا .
قوله : { ويسعون في الأرض فسادا } فسادا ، منصوب لأجله . أو حال من ضمير { يسعون } . والمعنى أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام بتشويه صورته بمختلف الأساليب كإشاعة الأكاذيب والشبهات عن حقيقة الإسلام وعن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بما يثير الكراهية والنفور في نفوس المسلمين وغيرهم من الناس . وهم في ذلك يتفقون مع الاستعماريين والصليبيين في التحريض على ملة الإسلام ليضعفوا المسلمين فيذروهم خاوين مزعزعين وقد طغى عليهم الوهن والخور والإحساس بالنقص وضرورة التبعية للحضارة المادية الكافرة{[1017]} .