روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

{ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك } تبكيت لأولئك الفجرة أيضاً ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة ماهم عليه من الدين المحرف ، وفيه نعي عليهم على سبيل التعريض بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها ، ولم يصرح سبحانه لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد ، وخاطبهم قبل البيان بما ينبىء عن عظم شأن المبين ، ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به ، والتنبئة المشعرة بكونه أمراً خطراً لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر ، والإشارة إلى الدين المتقوم لهم ، واعتبرت الشرّية بالنسبة إليه مع أنه خير محض منزه عن شائبة الشرّية بالكلية مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شرّيته ، وحاشاه ليثبت أن دينهم شر من كل شر ، ولم يقل سبحانه بأنقم تنصيصاً على مناط الشرية لأن مجرد النقم لا يفيدها ألبتة لجواز كون العيب من جهة العائب :

فكم من عائب قولاً صحيحا *** وآفته من الفهم السقيم

وفي ذلك تحقيق لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير لها ، وقيل : إنما قال : { بُشّرَ } لوقوعه في عبارة المخاطبين ، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ونافع بن أبي نافع وغازي بن عمرو وزيد وخالد وإزار بن أبي إزار فسألوه عليه الصلاة والسلام عمن يؤمن به من الرسل قال : أومن بالله تعالى وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى . وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به ، ثم قالوا كما في رواية الطبراني لا نعلم ديناً شراً من دينكم ، فأنزل الله تعالى الآية ، وبهذا الخبر انتصر من ذهب إلى أن المخاطبين بأنبئكم هم أهل الكتاب . وقال بعضهم : المخاطب هم الكفار مطلقاً ، وقيل : هم المؤمنون ، وكما اختلف في الخطاب اختلف في المشار إليه بذلك ، فالجمهور على ما قدمناه ، وقيل الإشارة إلى الأكثر الفاسقين ، ووحد الاسم إما لأنه يشار به إلى الواحد وغيره ، وليس كالضمير ، أو لتأويله بالمذكور ونحوه . وقيل : الإشارة إلى الأشخاص المتقدمين الذين هم أهل الكتاب ، والمراد أن السلف شر من الخلف .

{ مَثُوبَةً عِندَ الله } أي جزاءاً ثابتاً عنده تعالى ، وهو مصدر ميمي بمعنى الثواب ، ويقال في الخير والشر لأنه ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه كما يشير إليه قوله تعالى :

{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 ] حيث لم يقل سبحانه ير جزاءه إلا أن الأكثر المتعارف استعماله في الخير ، ومثله في ذلك المثوبة واستعمالها هنا في الشر على طريقة التهكم كقوله :

تحية بينهم ضرب وجيع *** ونصبها على التمييز من { بُشّرَ } ، وقيل : يجوز أن تجعل مفعولاً له لأنبئكم أي هل أنبئكم لطلب مثوبة عند الله تعالى في هذا الإنباء ، ويحتمل أن يصير سبب مخافتكم ويفضي إلى هدايتكم ، وعليه فالمثوبة في المتعارف من استعمالها ، وهو وإن كان له وجه لكنه خلاف الظاهر ، وقرىء { مَثُوبَةً } بسكون الثاء وفتح الواو ، ومثلها مشورة ومشورة خلافاً للحريري في إيجابه مشورة كمعونة .

وقوله سبحانه : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير إليه بذلك أي دين من لعنه الله الخ ، أو بتقدير مضاف قبل اسم الإشارة مناسب لمن أي بشر من أهل ذلك ، والجملة على التقديرين استئناف وقع جواباً لسؤال نشأ من الجملة الاستفهامية كما قال الزجاج إما على حالها أو باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل : ما الذي هو شر من ذلك ؟ فقيل : هو دين من لعنه الخ ، أو من الذي هو شر من أهل ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله الخ . وجوز ولا ينبغي أن يجوز عند التأمل أن يكون بدلاً من شر ، ولا بد من تقدير مضاف أيضاً على نحو ما سبق آنفاً ، والاحتياج إليه ههنا ليخرج من كونه بدل غلط ، وهو لا يقع في فصيح الكلام ، وأما في الوجه الأول فأظهر من أن يخفى ، وإذا جعل ذلك إشارة إلى الأشخاص لم يحتج الكلام إلى ذلك التقدير كما هو ظاهر ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة وتهويل أمر اللعن وما تبعه والموصول عبارة عن أهل الكتاب حيث أبعدهم الله تعالى عن رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسطوع البينات .

{ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار مائدة عيسى عليه الصلاة والسلام وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المسخين كانا في أصحاب السبت ، مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ، وضمير { مِنْهُمْ } راجع إلى من باعتبار معناه كما أن الضميرين الأولين له باعتبار لفظه ، وكذا الضمير في قوله سبحانه : { وَعَبَدَ الطاغوت } فإنه عطف على صلة من كما قال الزجاج ، وزعم الفراء أن في الكلام موصولاً محذوفاً أي ومن عبد ، وهو معطوف على منصوب { جَعَلَ } أي وجعل منهم من عبد الخ ، ولا يخفى أنه لا يصلح إلا عند الكوفيين ، والمراد بالطاغوت عند الجبائي العجل الذي عبده اليهود ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن أنه الشيطان ، وقيل : الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى .

والعبادة فيما عدا القول الأول مجاز عن الإطاعة ، قال شيخ الإسلام ( 3/55 ) : «وتقديم أوصافهم المذكورة بصدد إثبات شرية دينهم على وصفهم هذا مع أنه الأصل المستتبع لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات لأن عبادة الطاغوت عين دينهم البين البطلان ، ودلالتها عليها بطريق الاستدلال بشرية الآثار على شرية ما يوجبها من الاعتقاد ، والعمل إما للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشريته وفظاعته ولا باتصافهم به ، وإما للإيذان باستقلال كل من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرية ولو روعي ترتيب الوجود ، وقيل : من عبد الطاغوت ولعن الله وغضب عليه الخ لربما فهم أن عليه الشرية هو المجموع » انتهى .

/ وأنت تعلم أن كون هذا الوصف أصلاً غير ظاهر على ما ذهب إليه الجبائي ، وأن كون الاتصاف باللعن والغضب مما لا سبيل لهم إلى الجحود بة في حيز المنع ، كيف وهم يقولون : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] إلا أن يقال : إن الآثار المترتبة على ذلك الدالة عليه في غاية الظهور بحيث يكون إنكار مدلولها مكابرة ، وقيل : قدم وصفي اللعن والغضب لأنهما صريحان في أن القوم منقومون ، ومشيران إلى أن ذلك الأمر عظيم ؛ وعقبهما بالجعل المذكور ليكون كالاستدلال على ذلك ، وأردفه بعبادة الطاغوت الدالة على شرية دينهم أتم دلالة ليتمكن في الذهن أتم تمكن لتقدم ما يشير إليها إجمالاً ، وهذا أيضاً غير ظاهر على مذهب الجبائي ، ولعل رعايته غير لازمة لانحطاط درجته في هذا المقام ، والظاهر من عبارة شيخ الإسلام أنه بنى كلامه على هذا المذهب حيث قال بعدما قال : والمراد من الطاغوت العجل ، وقيل : الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى ، فيعم الحكم دين النصارى أيضاً ، ويتضح وجه تأخير عبادته عن العقوبات المذكورة إذ لو قدمت عليها لزم اشتراط الفريقين في تلك العقوبات انتهى ، فتدبر حقه .

وفي الآية كما قال جمع : عدة قراآت اثنتان من السبعة وما عداهما شاذ ، فقرأ الجمهور غير حمزة { عَبْدُ } على صيغة الماضي المعلوم ، والطاغوت بالنصب وهي القراءة التي بني التفسير عليها ، وقرأ حمزة { وَعَبَدَ الطاغوت } بفتح العين وضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت على أن عبد واحد مراد به الجنس وليس بجمع لأنه لم يسمع مثله في أبنيته بل هو صيغة مبالغة ، ولذا قال الزمخشري : «معناه الغلو في العبودية ، وأنشد عليه قول طرفة :

أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد2

أراد عبداً ، وقد ذكر مثله ابن الأنباري والزجاج فقالا : ضمت الباء للمبالغة كقولهم للفطن والحذر : فطن وحذر ، بضم العين ، فطعن أبي عبيدة والفراء في هذه القراءة ، ونسبة قارئها إلى الوهم وهم ، والنصب بالعطف على القردة والخنازير وقرىء { وَعَبَدَ } بفتح العين وضم الباء وكسر الدال وجر الطاغوت بالإضافة ، والعطف على من بناءاً على أنه مجرور بتقدير المضاف ، أو البدلية على ما قيل ، ولم يرتض .

وقرأ أبيّ ( عبدوا ) بضمير الجمع العائد على من باعتبار معناها ، والعطف مثله في قراءة الجمهور ، وقرأ الحسن عباد جمع عبد وعبد بالإفراد بجر { الطاغوت } ونصبه ، والجر بالإضافة ، والنصب إما على أن الأصل { عَبْدُ } بفتح الباء ، أو { عَبْدُ } بالتنوين فحذف كقوله :

ولا ذاكراً الله إلا قليلاً *** بنصب الاسم الجليل والعطف ظاهر ، وقرأ الأعمش والنخعي وأبان { عَبْدُ } على صيغة الماضي المجهول مع رفع { الطاغوت } على أنه نائب الفاعل ، والعطف على صلة من وعائد الموصول محذوف أي : عبد فيهم أو بينهم وقرأ بعض كذلك إلا أنه أنث ، فقرأ عبدت بتاء التأنيث الساكنة ، والطاغوت : يذكر ويؤنث كما مر ؛ وأمر العطف والعائد على طرز القراءة قبل .

وقرأ ابن مسعود { عَبْدُ } بفتح العين وضم الباء وفتح الدال مع رفع الطاغوت على الفاعلية لعبد وهو كشرف كأن العبادة صارت سجية له ، أو أنه بمعنى صار معبوداً كأمر أي صار أميراً ، والعائد على الموصول على هذا أيضاً محذوف ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { عَبْدُ } بضم العين والباء وفتح الدال ، وجر { الطاغوت } فعن الأخفش أنه جمع عبيد جمع عبد فهو جمع الجمع أو جمع عابد كشارف وشرف أوجمع عبد كسقف وسقف أو جمع عباد ككتاب وكتب فهو جمع الجمع أيضاً مثل ثمار وثمر .

وقرأ الأعمش أيضاً { عَبْدُ } بضم العين وتشديد الباء المفتوحة وفتح الدال وجر { الطاغوت } جمع عابد وعبد كحطم وزفر منصوباً مضافاً للطاغوت مفرداً وقرأ ابن مسعود أيضاً { عَبْدُ } بضم العين وفتح الباء المشددة وفتح الدال ، ونصب { الطاغوت } على حدّ :

ولا ذاكر الله إلا قليلاً *** بنصب الاسم الجليل ، وقرىء وعابد الشيطان بنصب عابد ، وجر الشيطان بدل الطاغوت ، وهو تفسير عند بعض لا قراءة . وقرىء عباد كجهال وعباد كرجال جمع عابد أو عبد ، وفيه إضافة العباد لغير الله تعالى وقد منعه بعضهم ، وقرىء عابد بالرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر ، وجر { الطاغوت } ، وقرىء عابدوا بالجمع والإضافة ، وقرىء ( عابد ) منصوباً ، وقرىء { عَبْدُ * الطاغوت } بفتحات مضافاً على أن أصله عبدة ككفرة فحذفت تاؤه للإضافة كقوله :

وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا *** أي عدته كإقام الصلاة ، أو هو جمع أو اسم جمع لعابد كخادم وخدم وقرىء أعبد كأكلب ، وعبيد جمع أو اسم جمع ، وعابدي جمع بالياء ، وقرأ ابن مسعود أيضاً ومن عبدوا

{ أولئك } أي الموصوفون بتلك القبائح والفضائح وهو مبتدأ ، وقوله سبحانه : { شَرُّ } خبره ، وقوله تعالى : { مَكَاناً } تمييز محول عن الفاعل ، وإثبات الشرارة لمكانهم ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم ، فقد صرحوا أن إثبات الشرارة لمكان الشيء كناية عن إثباتها له كقولهم : سلام على المجلس العالي والمجد بين برديه ، فكأن شرهم أثر في مكانهم ، أو عظم حتى صار مجسماً . وجوّز أن يكون الإسناد مجازياً كجري النهر ، وقيل : يجوز أن يكون المكان بمعنى محل الكون والقرار الذي يكون أمرهم إلى التمكن فيه أي شر منصرفاً ، والمراد به جهنم وبئس المصير ، والجملة مستأنفة مسوقة منه تعالى شهادة عليهم بكمال الشرارة والضلال ، وداخلة تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت ، وجعلها جواباً للسؤال الناشىء من الجملة الاستفهامية ليستقيم احتمال البدلية السابق مما لا يكاد يستقيم .

{ وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل } أي أكثر ضلالاً عن طريق الحق المعتدل ، وهو دين الإسلام والحنيفية ، وهو عطف على { شَرُّ } مقرر له ، وفيه دلالة على كون دينهم شراً محضاً بعيداً عن الحق لأن ما يسلكونه من الطريق دينهم ، فإذا كانوا أضل كان دينهم ضلالاً مبيناً لا غاية وراءه ، والمقصود من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقاً من غير نظر إلى مشاركة غير في ذلك ، وقيل : للتفضيل على زعمهم ، وقيل : إنه بالنسبة إلى غيرهم من الكفار . وقال بعضهم : لا مانع أن يقال : إن مكانهم في الآخرة شر من مكان المؤمنين في الدنيا لما لحقهم فيه من مكاره الدهر وسماع الأذى والهضم من جانب أعدائهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } أي بدلنا صفاتهم بصفات هاتيك الحيوانات من الحيل والحرص والشهوة وقلة الغيرة { وَعَبَدَ الطاغوت } وهو كل ما يطغى مما سوى الله تعالى أي أنهم انقادوا إليه وخضعوا له ، ومن أولئك من هو عابد الدرهم والدينار { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } [ المائدة : 60 ] لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري وضلوا ضلالاً بعيداً

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (60)

قوله : { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } ذلك توبيخ لهؤلاء الضالين المضلين إذ بين الله لهم أن الذي هو حقيق بالطعن والعيب ما هم عليه من دين محرف وما هم عليه من ظلم وافتراء على دين الإسلام بالطعن والتجريح . فالله يبين لرسوله أن في هؤلاء المستهزئين من العيب ما هو قمين أن يسمى هو عيبا وهو ما هم عليه من الكفر الذي استوجب اللعن من الله وغضبه ومسخه لهم . وتأويل الآية هو : هل أنبئكم بشر من نقمكم ( طعنكم ) علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه ، أو بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تضنونه بنا ، هم أنتم المتصفون بصفات اللعن والغضب والمسخ . وهذا جواب مقولة نفر من يهود كما رواه ابن عباس أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال : ( أومن بالله تعالى وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ومما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به . ثم قالوا : لا نعلم دينا شرا من دينكم . فأنزل الله تعالى الآية . فالمخاطبون في قوله : { هل أنبئكم } هم أهل الكتاب .

فالله يقول لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب والمشركين : هل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشر من ذلك ، أي من ذلك المنقوم ، مثوبة عند الله ، أي جزاء ثابتا عند الله ، هم أنتم ، إذ لعنكم الله وغضب عليكم ومسخكم قردة وخنازير .

قال صاحب الكشاف في ذلك : كان اليهود يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب فقيل لهم : من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم .

قوله : { من لعنه الله وغضب عليه } من لعنه ، يحتمل ثلاثة أوجه : الأول : الجر ، على البدل من { بشرّ } .

والثاني : الرفع ، على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف ، وتقديره : هو لعن من لعنه الله . فحذف المبتدأ والمضاف .

والثالث : مرفوع على الابتداء ، وخبره { أولئك } {[1013]} .

ولعنه الله أي أبعده وأسحقه من رحمته . وغضب عليه ، من الغضب وهو نقيض الرضا .

قوله : { وجعل منهم القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت ، وبعضهم خنازير وهو كفار مائدة عيسى عليه السلام . وقيل : كان المسخان في أصحاب السبت إذ مسخت شبانهم قردة ، وشيوخهم خنازير . وقد عرضنا لحقيقة المسخ في سورة البقرة بما يغني عن التكرار هنا . على أن المسخ لم يأت على بني إسرائيل جميعا ، وليس كل القردة والخنازير من ذرية بني إسرائيل . بل إن قوما من بني إسرائيل حاق بهم المسخ فصاروا قردة وخنازير . وكذلك ليس كل القردة والخنازير من مماسيخ بني إسرائيل ، بل إنهم خلق من خلق الله وكانوا من قبل أن يحيق المسخ بالقوم . وفي ذلك أخرج مسلم عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله ؟ فقال : " إن الله لم يهلك قوما – أو قال : لم يمسخ قوما – فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وأن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " .

قوله : { وعبد الطاغوت } ذكر صاحب الكشاف أنواعا من القراءات في ذلك ، منها : وعبدوا الطاغوت . وهي قراءة أبي .

ومنها : ومن عبدوا الطاغوت . وهي قراءة ابن مسعود .

ومنها : ومن عبد الطاغوت . فهو عطف على صلة " من " .

ومنها : وعابد الطاغوت ، عطفا على القردة .

أما الطاغوت ، فالمراد به موضع خلاف . فقيل : العجل الذي عبده اليهود ، وعن ابن عباس والحسن البصري أنه الشيطان . وقيل : معناه الكهنة والأحبار . فإن كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده .

قوله : { أولئك شر مكانا } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . شر خبره . مكانا منصوب على التمييز . أي أولئك الممسوخون المقبوحون الذين حاق بهم اللعن والغضب شر مستقرا ومنصرفا وهو جهنم وبئس المصير . وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة .

قوله : { وأضل عن سواء السبيل } أي أنتم يا بني إسرائيل أكثر ضلالا وأشد جورا عن سبيل الرشد والقصد وأعظم بعدا عن طريق الحق القويم حيث الحنفية السليمة المستقيمة والتوحيد الكامل الخالص والإخبات والخضوع والإذعان لله وحده دون سواه والاهتداء بهديه ومنهاجه من غير زيغ ولا تحريف{[1014]} .


[1013]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 298.
[1014]:- تفسير الطبري ج 6 ص 189- 191 وفتح القدير ج 2 ص 55 والكشاف ج 1 ص 625 وروح المعاني ج 6 ص 175- 177.