{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } أي الناحيتان المعلومتان المجاورتان لنقطة تطلع منها الشمس وتغرب ، وكنى بمالكيتهما عن مالكية كل الأرض ، وقال بعضهم : إذا كانت الأرض كروية يكون كل مشرق بالنسبة مغرباً بالنسبة والأرض كلها كذلك فلا حاجة إلى التزام الكناية ، وفيه بعد { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } أي ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة ، وقرأ الحسن { تَوَلَّوْاْ } على الغيبة { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها ، فإذاً مكان التولية لا يختص بمسجد دون مسجد ولا مكان دون آخر { فَأَيْنَمَا } ظرف لازم الظرفية متضمن لمعنى الشرط وليس مفعولاً ل { تَوَلَّوْاْ } والتولية بمعنى الصرف منزل منزلة اللازم ، و( ثم ) اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مبني على الفتح ولا يتصرف فيه بغير من وقد وهم من أعربه مفعولاً به في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً } [ الإنسان : 0 2 ] وهو خبر مقدم ، وما بعده مبتدأ مؤخر ، والجملة جواب الشرط والوجه الجهة كالوزن والزنة واختصاص الإضافة باعتبار كونها مأموراً بها ، وفيها رضاه سبحانه ، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل ومجاهد وقتادة وقيل : الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى : { كُلُّ شيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] إلا أنه جعل هنا كناية عن علمه واطلاعه بما يفعل هناك ، وقال أبو منصور : بمعنى الجاه ، ويؤول إلى الجلال والعظمة ، والجملة على هذا اعتراض لتسلية قلوب المؤمنين بحل الذكر والصلاة في جميع الأرض لا في المساجد خاصة وفي الحديث الصحيح : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » ولعل غيره عليه الصلاة والسلام لم تبح له الصلاة في غير البيع والكنائس ، وصلاة عيسى عليه السلام في أسفاره في غيرها كانت عن ضرورة فلا حاجة إلى القول باختصاص المجموع وجوّز أن تكون ( أينما ) مفعول { تَوَلَّوْاْ } بمعنى الجهة ، فقد شاع في الاستعمال ( أينما ) توجهوا ، بمعنى أي جهة توجهوا بناءً على ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في صلاة المسافر( {[182]} ) والتطوع على الراحلة ، وعلى ما روي عن جابر أنها نزلت في قوم عميت عليهم القبلة في غزوة كنت فيها معهم ، فصلوا إلى الجنوب والشمال ، فلما أصبحوا تبين خطؤهم ، ويحتمل على هاتين الروايتين أن تكون ( أينما ) كما في الوجه الأول أيضاً ، ويكون المعنى في أي مكان فعلتم أي تولية لأن حذف المفعول به يفيد العموم ، واقتصر عليه بعضهم مدعياً أن ما تقدم لم يقل به أحد من أهل العربية ، ومن الناس من قال : الآية توطئة لنسخ القبلة ، وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة ، وإلا لكانت أحق بالاستقبال ، وهي محمولة على العموم غير مختصة بحال السفر أو حال التحري ، والمراد ب ( أينما ) أي جهة ، وبالوجه الذات ووجه الارتباط حينئذٍ أنه لما جرى ذكر المساجد سابقاً أورد بعدها تقريباً حكم القبلة على سبيل الاعتراض ، وادعى بعضهم أن هذا أصح الأقوال ، وفيه تأمل
{ إِنَّ الله واسع } أي محيط بالأشياء ملكاً أو رحمة ، فلهذا وسع عليكم القبلة ولم يضيق عليكم ، { عَلِيمٌ } بمصالح العباد وأعمالهم/ في الأماكن ، والجملة على الأول : تذييل لمجموع { وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } الخ وعلى الثاني : تذييل لقوله سبحانه : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } الخ ، ومن الغريب جعل ذلك تهديداً لمن منع مساجد الله وجعل الخطاب المتقدم لهم أيضاً ، فيؤول المعنى إلى أنه لا مهرب من الله تعالى لمن طغى ، ولا مفر لمن بغى ، لأن فلك سلطانه حدد الجهات ، وسلطان علمه أحاط بالأفلاك الدائرات :
أين المفر ولا مفر لهارب *** وله البسيطان الثرى والماء
ومن باب الإشارة : أن المشرق عبارة عن عالم النور والظهور وهو جنة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه ، والمغرب عالم الأسرار والخفاء وهو جنة اليهود وقبلتهم بالحقيقة باطنه ، أو المشرق عبارة عن إشراقه سبحانه على القلوب بظهور أنواره فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة الشهود ، والمغرب عبارة عن الغروب بتستره واحتجابه واختفائه بصفة جلاله حالة البقاء بعد الفناء ولله تعالى كل ذلك فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن ( فثم وجه الله ) المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزهاً عن الجهات وقد قال قائل القوم :
وما الوجه إلا واحد غير أنه *** إذا أنت عددت المرايا تعدد
{ إِنَّ الله واسع } لا يخرج شيء عن إحاطته { عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيء من أحوال خليقته ومظاهر صفته .
قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } . قال ابن عباس رضي الله عنهما : خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة ، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة ، فتحروا القبلة وصلوا ، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا ، فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية . وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ما توجهت به راحلته .
أخبرنا محمد بن محمد السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم ابن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك . عن عبد الله بن دينار . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به " .
وقال عكرمة : نزلت في تحويل القبلة ، قال أبو العالية : لما صرفت القبلة إلى الكعبة ، عيرت اليهود المؤمنين وقالوا : ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة هكذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال مجاهد والحسن : لما نزلت { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } قالوا : أين ندعوه فأنزل الله عز وجل :{ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي : هناك وجه الله ، قال الكلبي فثم الله يعلم ويرى " والوجه " صلة كقوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } أي إلا هو ، وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان : فثم قبلة الله ، والوجه والوجهة والجهة القبلة ، وقيل : رضا الله تعالى .
قوله تعالى : { إن الله واسع } . أي غني يعطي في السعة ، قال الفراء : الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء ، قال الكلبي : واسع المغفرة .
قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } جاء في سبب هذه الآية عدة أقوال لعل أصوبها أنه بعد أن تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت العتيق في مكة بأمر من الله أنكر اليهود ذلك واغتاظوا ، ولم يرضوا بما شرعه الله لعباده من قبلة عظيمة مستديمة يتوجون إليها وتكون لهم على الدوام مثابة . وذلك من تقدير الله وشأنه ، فهو يتعبّد الناس بما شرعه لهم من قبلة وما سواها من أحكام وشعائر من غير أن يكون له في ذلك راد أو معقب .
لقد تغيظ اليهود من ذلك أشد تغيظ ، وساءهم أن يتولى المسلمون عن قبلتهم الأولى التي كانوا عليها ، فزادوا من عداوتهم ونكارتهم للنبي وصحبه ، وجعلوا يفترون على النبي ودينه والمسلمين الأكاذيب . ويثيرون من حولهم الأراجيف ، يحفزهم إلى ذلك ضغينة وتعصب . وهو تعصب ذميم مسف ، يعتمد الصورة والشكل دون الحقيقة أو الجوهر والمضمون . ولا جرم فهو تعصب لا يستند إلى شيء من تفكير سليم أو عقيدة واعية مستبينة سليمة ، ولكنه التعصب الفارغ المتبلّد الذي يعتمد الحماقة والسفه ، ويستند إلى المزاج والهوى .
والآية تبين للناس جميعا أنه يستوي عند الله أن تكون القبلة صوب جهة أو غيرها ، فالجهات كلها من صنع الله وتقديره ، وهو سبحانه يملك الأرض والسماء والحياة والثقلين ، ويملك السماوات والأرض وما بينهما من أشياء وكوائن وما فوق التراب من أحياء نشطة تنوس أو جوامد ثوابت لا تريم ، وهو سبحانه يملك الجهات جميعا بما في الجهات من مشرق ومغرب فذلكم كله لله ، وهو محصور وبارز في قبضته وبين يديه . فلا داعي بعد ذلك أن تخاصم يهود في القبلة مادام ذلك كله مقررا بإذن الله وإرادته . فلا ينبغي أن نعبأ بالجهة في مفهومها الحسي ، ولكن العبرة في أمر الله وفي تقديره ، فهو سبحانه قد تعبّد المؤمنين باتباع القبلة التي ارتضاها وكتبها لهم سواء في ذلك مكة حيث البيت الحرام أو بيت المقدس حيث المسجد الأقصى .
وقوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } أينما أداة شرط تجزم فعلين وما زائدة . { تولوا } فعل الشرط مجزوم بحذف النون ، والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط . فأينما يتوجه الناس يجدوا أن الله أمامهم . فهو سبحانه لا تحيط به الجهات ، ولا تحده الأمكنة والحدود ، ويستوي عنده في المكان أو الزمان مشرق ومغرب أو قريب وبعيد ، فذلك كله في حكم الله وميزانه سواء .
فلا عبرة بعد ذلك للتشبث بالمكان الحسي المحدود الذي تشنجت عليه يهود فإن المكان والزمان لله . وكيفما كان المكان أو الزمان فإنهما محوطان بقدرة الله وعلمه وهيمنته . ومن الناحية الشرعية فقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { وحيث ما كنتم قولوا وجوهكم شطره } وقيل : بل الناسخ هو قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } وذلك يعني أن يتوجه المصلون في صلاتهم نحو الكعبة قبلتهم الأبدية ، وفي ذلك إبطال للتخيير السابق الذي يتوجهون بموجبه كما شاؤوا مشرقا أو مغربا .
ولست مطمئنا للقول بالنسخ هنا ، بل إنني أرجح أن تكون الآية محكمة . فإنه ليس بالضرورة أن يكون مدلول الآية الخيار في الصلاة بين التوجه نحو المشرق أو المغرب . بل المقصود في الغالب أن تتوجه قلوب العباد ومشاعرهم إلى الله . وأن تظل المقاصد والنوايا مشدودة نحو الخالق سبحانه ، ليستقيم العمل ويصفو من درن الشرك والرياء .
وذلك يرتبط أشد ارتباط بقضية العقيدة التي تقوم أول ما تقوم على التوحيد الخالص المبرأ من شوائب الشرك وغبش التصور .
وقوله : { إن الله واسع عليم } الله جلت قدرته يسع الناس والخلائق جميعا بعونه وإحسانه وتفضله وغفرانه ، فهو الكريم المنان الذي تتهاطل آلاؤه وخيراته على الأرض لتشمل الخليقة كلها ، فما من كائن إلا وهو عائش في حومة الفضل من الله سبحانه . وهو سبحانه عليم بخلقه ، عليم بما تجترحه الكائنات من قول أو عمل وما تكنه الصدور من مكنونات وأسرار ، كل ذلك في علم الله الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء{[118]} .