فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (115)

{ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ، وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون } .

{ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } المشرق موضع الشروق والمغرب موضع الغروب ، وهما اسما مكان وقيل اسما مصدر أي الإشراق والإغراب ، أي هما ملك لله وما بينهما من الجهات والمخلوقات فيشمل الأرض كلها أي جهة تستقبلونها فهناك وجه الله أي المكان الذي يرتضي لكم استقباله ، وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } قال في الكشاف ، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص أماكنها في مسجد دون مسجد ، ولا في مكان دون مكان انتهى .

وهذا التخصيص لا وجه له فإن اللفظ أوسع منه وإن كان المقصود به بيان السبب فلا بأس { وأين } هنا اسم شرط وهي ظرف مكان وتكون اسم استفهام أيضا فهي مشترك بينهما و { ثم } إسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل هنا ، وقال أبو البقاء : نائب عن هناك وليس بشيء { إن الله واسع عليم } فيه إرشاد إلى سعة رحمته وأنه يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم ، وقيل واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال وسع كل شيء علما ، وقال الفراء : الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء .

عن ابن عباس قال : أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة قال الله تعالى { ولله المشرق والمغرب } الآية فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ، ثم صرفه الله إلى البيت العتيق ونسخها وقال { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوعا أينما توجهت به ثم قرأ ابن عمر هذه الآية { أينما تولوا فثم وجه الله } وقال في هذه أنزلت هذه الآية ، وأخرج نحوه عنه ابن جرير والدارقطني والحاكم وصححه .

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق ، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى{[116]} ، " . وأخرج عبد بن حميد والترمذي وضعفه وابن ماجة وابن جرير وغيرهم عن عامر بن ربيعة قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء{[117]} مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه فلما أن أصبحنا إذا نحن صلينا على غير القبلة فقلنا يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله { والله المشرق والمغرب } الآية فقال :مضت صلاتكم{[118]} " . عن ابن عباس قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين المشرق والمغرب{[119]} قبلة " . أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة .


[116]:الترميذي كتاب التفسير سورة 2/باب4
[117]:صحيح الجامع الصغير 4841
[118]:ابن كثير 1/158
[119]:صحيح الجامع الصغير 5460