{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } منصوب بمضمر معطوف على قوله سبحانه : { واسئلهم } [ الأعراف : 163 ] وتأذن تفعل من الاذن وهو بمعنى آذن أي أعلم والتفعل يجيء بمعنى الافعال كالتوعد والايعاد ، وإلى هذا يؤول ما روي عن ابن عباس من أن المعنى قال ربك ، وفسره ، بعضهم بعزم وهو كناية عنه أو مجاز لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك ثم يجزم فهو يطلب من النفس الاذن فيه ، وفي الكشف لو جعل بمعنى الاستئذان دون الايذان كأنه يطلب الاذن من نفسه لكان وجهاً ، وحيث جعل بمعنى عزم وكان العازم جازماً فسر عزم بجزم وقضى فافاد التأكيد فلذا أجرى مجرى القسم ، وأجيب بما يجاب به وهو هنا { رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ } وجاء عزمت عليك لتفعلن ، ولا يرد على هذا أنه مقتضى لجواز نسبة العزم إليه تعالى وقد صرح بمنع ذلك لأن المنع مدفوع فقد ورد عزمة من عزمات الله تعالى { عَلَيْهِمْ } أي اليهود لا المعتدين الذين مسخوا قردة إذ لم يبقوا كما علمت ، ويحتمل عود الضمير عليهم بناء على ما روي عن الحسن . والمراد حينئذ هم وأخلافهم ، وعوده إلى اليهود والنصارى ليس بشيء وإن روي عن مجاهد ، والجار متعلق بيبعثن على معنى يسلط عليهم البتة { إلى يَوْمِ القيامة } أي إلى انتهاء الدنيا وهو متعلق بيبعث ، وقيل : بتأذن وليس بالوجه ولا يصح كما لا يخفى تعلقه بالصلة في قوله سبحانه : { مَن يَسُومُهُمْ } يذيقهم ويوليهم { سُوء العذاب } كالادلال . وضرب الجزية . وعدم وجود منعة لهم . وجعلهم تحت الأيدي وغير ذلك من فنون العذابد وثد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصلاة والسلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر .
ولا ينافي ذلك رفعها عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لأن ذلك الوقت ملحق بالآخرة لقربه منها أو لأن معنى رفعه عليه السلام إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمة لسيوفهم فلا اسكال ، وما يحصل لهم زمن الدجال مع كونه ذلافي نفسه غمامة صيف على أنهم ليسوا يهود حين التبعية { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } لما شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء ، وقيل : في الآخرة ، وقيل : فيهما وَإِنَّهُ لَغَفُورُ رحيمٌ } لمن تاب وآمن .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي اقسم { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة } أي قيامتهم { مَن يَسُومُهُمْ } وهو التجلي الجلالي
{ سُوء العذاب } [ الأعراف : 167 ] وهو عذاب القهر وذل اتباع الشهوات
قوله تعالى : { وإذ تأذن ربك } ، أي : آذن وأعلم ربك ، يقال : تأذن وآذن ، مثل توعد وأوعد ، وقال ابن عباس : { تأذن ربك } قال ربك . وقال مجاهد : أمر ربك . وقال عطاء : حكم ربك .
قوله تعالى : { ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة } ، أي : على اليهود .
قوله تعالى : { من يسومهم سوء العذاب } ، بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية .
قوله تعالى : { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } تأذن ، بوزن تفعل ، من الإيذان وهو الإعلام . وأذن بمعنى علم . وآذت بالمد معناه أعلم . وأذن ، بالتشديد ؛ أي نادى . والأذن معناه الإعلام{[1563]} وتأذن ، أجرى مجرى فعل القسم ، كقوله : { شهد الله ، وعلم الله . ولذلك أجيب بما يجاب له القسم . وهو قوله { ليبعثن عليهم } أي اليهود . والمعنى : وإذ حتم ربك وكتب على نفسه { ليبعثن عليهم } أي ليسلطن على اليهود { إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } وذلك إعلان قائم مسلط مجلجل نادى به الله ليكون إخبارا للعالمين أنه الله مرسل على اليهود من الأقوام والأمم والشعوب من يسلطهم عليهم تسليطا فيسمونهم –أي يذيقونهم- سوء العذاب ، وهو أشده وأنكاه ، من الإذلال والصغار والمهانة ، جزاء تفريطهم في حق الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وإفسادهم في الأرض وتمالؤهم على رسالة الله والداعين إليه في كل زمان ومكان . ولسوف يظل هذا الإعلان والنذير قائما مسلطا لا يزول ولا يتغير إلى يوم القيامة ما دامت يهود تعيث في الأرض فسادا وتخريبا . وما داموا يثيرون الفتن والقلاقل والحروب بين بني البشر . وما داموا يصطنعون الشبهات والافتراءات والأباطيل من حول الإسلام والمسلمين . لسوف يظل النذير بالتسليط والسوم بسوء العذاب قائما مولولا{[1564]} إلى نهاية الزمان . فما تتوالى الأيام والسنون حتى يبعث الله على اليهود من الأمم { من يسومهم سوء العذاب } مثلما سامهم بختنصر ؛ إذ سباهم سبيا ، وقتل رجالهم قتلا ، ودمر عليهم تدميرا . ومثلما فعل بهم ملوك النصارى ورؤساؤهم خلال العصور السابقة والوسطى ، مرورا بالعصر الحديث حيث الإذلال والتقتيل بالجملة ؛ كالذي فعله بهم النازيون في هذا القرن . كل ذلك بلاء وسوء عذاب أصابهم بسبب عصيانهم وعتوهم . وما زال الإعلام والنذير من الله بسوء العذاب قائما لا يتغير ولا يتبدل حتى تقوم الساعة ويومئذ يفضي الظالمون والمجرمون والخائنون إلى جهنم وبئس المصير .
قوله : { إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } أي إن ربك يا محمد سريع عقابه إلى من يستحق العقوبة من الكافرين والظالمين والعصاة ، الذين يتجبرون في الأرض ويعيثون في الدنيا الفساد ويشيعون الظلم والمصائب والنوائب بين العباد . إن الله منتقم من هؤلاء لا محالة ، فمجازيهم الجزاء الألم المواجع في هذه الدنيا . والله لكل العتاة والمجرمين والخائنين والمتربصين بالمرصاد ؛ فهو آخذهم بالعذاب البئيس على غرة من حيث لا يحتسبون . وفي المقابل فإن الله ساتر لدنوب التائبين والنادمين وزلاتهم ، عظيم الصفح عن خطايا المنيبين إليه وعن معاصيهم{[1565]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.