{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روى عن مجاهد . وقتادة ، وقيل : بأنفسهم ، وقيل : بالغنيمة عند القسم ، وقيل : بكل ما فيه منفعة لكم وصوب هذا أبو حيان ، وذهب الزمخشري إلى أن المعنى أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وذلك لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حيث لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم ولا من يحمى حوزتهم سواهم ، وقيل : كانوا يفعلون ذلك رياء ، والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعت قبل وعدل إليه مختصر وكشافه أيضاً وذلك على ما قيل لأن ما ذهب إليه معنى ما في التفريع بعد فيحتاج إلى جعله تفسيراً ، ورجحه بعض الأجلة على ما ذهب إليه الأكثر فقال : إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله تعالى بعد : { أَشِحَّةً عَلَى الخير } ولأن الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء هو أن يراد بقاؤه كما في «الصحاح » وأشار إليه بقوله : أضناء بكم ، وما ذكره غيره لا يساعده الاستعمال انتهى .
قال الخفاجي : إن سلم ما ذكر من الاستعمال كان متعيناً وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام ، و { أَشِحَّةً } جميع شحيح على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضعف عينه ولأمه أن يجمع على افعلاء كضنين وإضناء وخليل وإخلاء فالقياس أشحاء وهو مسموع أيضاً ، ونصبه عند الزجاج . وأبي البقاء على الحال من فاعل { يَأْتُونَ } على معنى تركوا الاتيان أشحة ، وقال الفراء : على الذم ، وقيل : على الحال من ضمير { هَلُمَّ إِلَيْنَا } أو من ضمير يعوقون مضمراً ، ونقل أولهما عن الطبري وهو كما ترى ، وقيل : من { المعوقين } أو من القائلين ، ورداً بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة ، وتعقب بأن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر الرد على كونه حالاً من { المعوقين } لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته .
وقرأ ابن أبي عبلة { أَشِحَّةً } بالرفع على إضمار مبتدأ أي هم أشحة { فَإِذَا جَاء الخوف } من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة { رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } أي أحداقهم أو بأحداقهم على أن الباء للتعدية فيكون المعنى تدير أعينهم أحداقهم ، والجملة في موضع الحال أي دائرة أعينهم من شدة الخوف .
{ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } صفة لمصدر { يُنظَرُونَ } أو حال من فاعله أو لمصدر { تَدورُ } أو حال من { أَعْيُنَهُمْ } أي ينظرون نظراً كائناً كنظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولو إذا بك أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دوراناً كائناً كدوران عين الذي الخ أو تدور أعينهم كائنة كعين الذي الخ ، وقيل : معنى الآية إذا جاء الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رؤيتهم وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم مضرب لأنهم يحضرون على نية شر لا على نية خير ، والقول الأول هو الظاهر { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } أي أذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة سلطة ذربة قاله الفراء ، وعن قتادة بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون : أعطونا أعطونا فلستم بأحق بهامنا ، وقال يزيد بن رومان : بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبكم وتنقيص ما أنتم عليه من الدين .
وقال بعض الأجلة : أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يداً أو لساناً فسلق اللسان بإعلان الطعن والذم وفسر السلق هنا بالضرب مجازاً كما قيل للذم طعن ، والحامل عليه توصيف الألسنة بحداد ، وجوز أن يشبه اللسان بالسيف ونحوه على طريق الاستعارة المكنية ويثبت له السلق بمعنى الضرب تخييلاً ، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن السلق في الآية فقال : الطعن باللسان قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال : نعم أما سمعت قول الأعشى :
فيهم الخصب والسماحة والنجدة *** فيهم والخاطب المسلاق
وفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة قال : معنى سلقوكم خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة يقال : خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغاً في خطبته ، واعتبر بعضهم في السلق رفع الصوت وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم : «ليس منا من سلق أو حلق » قال في النهاية أي رفع صوته عند المصيبة ، وقيل : أن تصك المرأة وجهها وتمرشه ، والأول أصح ، وزعم بعضهم أن المعنى في الآية بسطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانعة والمجاملة ، ولا يخفى ما فيه ، وقرأ ابن أبي عبلة { صلقوكم } بالصاد .
{ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخير } أي بخلاء حريصين على مال الغنائم على ما روى عن قتادة ، وقيل : على ما لهم الذين ينفقونه ، وقال الجبائي : أي بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير ، وذهب أبو حيان إلى عموم الخير . ونصب { أَشِحَّةً } على الحال من فاعل { سَلَقُوكُم } أو على الذم ، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة { أَشِحَّةً } بالرفع لأنه عليه خبر مبتدأ محذوف أي هم { أَشِحَّةً } والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذم ، وغاير بعضهم بين الشح هنا والشح فيما مر بأن ما هنا مقيد بالخير المراد به مال الغنيمة وما مر مقيد بمعاونة المؤمنين ونصرتهم أو بالإنفاق في سبيل الله تعالى فلا يتكرر هذا مع ما سبق ، والزمخشري لما ذهب إلى ما ذهب هناك ، قال هنا : فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح وتلك الحالة الأولى واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم الخ ، وقد سمعت ما قال بعض الأجلة في ذلك .
ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سبق : إن المراد مما سبق ذمهم بالبخل بكل ما فيه منفعة أو بنوع منه على المؤمنين ومن هذا ذمهم بالحرص على المال أو ما فيه منفعة مطلقاً من غير نظر إلى كون ذلك على المؤمنين أو غيرهم وهو أبلغ في ذمهم من الأول { أولئك } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء { لَمْ يُؤْمِنُواْ } بالإخلاص فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا في قلوبهم الكفر { فَأَحْبَطَ الله أعمالهم } أي أظهر بطلانها لأنها باطلة منذ عملت إذ صحتها مشروط بالإيمان وبالإخلاص وهم مبطنون الكفر وفي «البحر » أي لم يقبلها سبحانه فكانت كالمحبطة وعلى الوجهين المراد بالأعمال العبادات المأمور بها ، وجوز أن يكون المراد بها ما عملوه نفاقاً وتصنعاً وإن لم يكن عبادة ، والمعنى فأبطل عز وجل صنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعاً لمنفعة دنيوية أصلاً .
وحمل بعضهم الأعمال على العبادات والإحباط على ظاهره بناء على ما روى عن ابن زيد عن أبيه قال نزلت الآية في رجل بدري نافق بعد بدر ووقع منه ما وقع فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرها ، وصيغة الجمع تبعد ذلك وكذا قوله تعالى : { لَمْ يُؤْمِنُواْ } فإن هذا كما هو ظاهر هذه الرواية قد آمن قبل ، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " يأبى ذلك فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الرواية غير صحيحة .
{ وَكَانَ ذلك } أي الاحباط { عَلَى الله يَسِيراً } أي هيناً لا يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضاً عليه ، وقيل : أي هيناً سهلاً عليه عز وجل ، وتخيص يسره بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم بالاحباط المذكور لكمال تعاضد الحكم المقتضية له وعدم مانع عنه بالكلية ، وقيل : ذلك إشارة إلى حالهم من الشح ونحوه ، والمعنى كان ذلك الحال عليه عز وجل هيناً لا يبالي به ولا يجعله سبحانه سبباً لخذلان المؤمنين وليس بذاك ، والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم أخبر عن المنافقين، فقال تعالى: {أشحة عليكم}: أشفقة من المنافقين عليكم حين يعوقونكم يا معشر المؤمنين؟
ثم أخبر عنهم عند القتال أنهم أجبن الناس قلوبا وأضعفهم يقينا وأسوأهم ظنا بالله عز وجل {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف} وجاءت الغنيمة {سلقوكم} رموكم، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، يقول: {بألسنة حداد} ألسنة سليطة باسطة بالشر، يقولون: أعطونا الغنيمة فقد كنا معكم فلستم بأحق بها منا، يقول الله عز وجل: {أشحة على الخير} يعني الغنيمة {أولئك لم يؤمنوا} بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يصدقوا بتوحيد الله.
{فأحبط الله أعمالهم}: أبطل جهادهم لأن أعملهم خبيثة وجهادهم لم يكن في إيمان، {وكان ذلك} حبط أعمالهم {على الله يسيرا} هينا...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"أشِحّةً عَلَيْكُمْ" اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به هؤلاء المنافقين، في هذا الموضع من الشحّ؛
فقال بعضهم: وصفهم بالشّحّ عليهم في الغنيمة...
وقال آخرون: بل وصفهم بالشحّ عليهم بالخير...
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشّحّ، ولم يخصُص وصفهم من معاني الشحّ بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين... وقد يحتمل أن يكون قَطْعا من قوله: "قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ المُعَوّقِينَ مِنْكُمْ "فيكون تأويله: قد يعلم الله الذين يعوّقون الناس على القتال، ويَشِحّون عند الفتح بالغنيمة. ويجوز أن يكون أيضا قَطْعا من قوله: "هلم إلينا" أشحة، وهم هكذا أشحة. ووصفهم جلّ ثناؤه بما وصفهم من الشحّ على المؤمنين، لِما في أنفسهم لهم من العداوة والضّغْن...
وقوله: "فإذَا جاءَ الخَوْفُ" إلى قوله: "مِنَ المَوْتِ" يقول تعالى ذكره: فإذا حضر البأُس، وجاء القتال، خافوا الهلاك والقَتْل، رأيتهم يا محمد ينظرون إليك لِواذا بك، تَدُور أعينهم، خوفا من القتل، وفرارا منه "كالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ" يقول: كدَوَران عين الذي يُغْشَى عليه من الموت النازل به "فإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ" يقول: فإذا انقطعت الحربُ واطمأنوا "سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ"...
وأما قوله: "سَلَقُوكُمْ بألْسنَةٍ حِدادٍ"، فإنه يقول: عَضّوكم بألسنة ذَرِبة. ويقال للرجل الخطيب الذّرِب اللسان: خطيب مِسْلَق ومِصْلَق، وخطيب سَلاّق وصَلاّق.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف تعالى ذكره هؤلاء المنافقين أنهم يَسْلُقون المؤمنين به؛ فقال بعضهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عند الغنيمة، بمسألتهم القَسْمَ لهم... عن قتادة "فإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ" أما عند الغنيمة، فأشحّ قوم، وأسوأ مُقاسَمَة: أعطُونا أعطُونا، فإنا قد شِهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحقّ.
وقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهُمْ إياهم بالأذَى...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَسْلُقونكم من القول بما تُحبون، نفاقا منهم...
وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل قول من قال "سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدَادٍ أشِحّةً عَلى الخَيْرِ" فأخبر أن سَلْقَهُمْ المسلمين شُحَا منهم على الغنيمة والخير، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلب الغنيمة. وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنيمة، دخل في ذلك قول من قال: معنى ذلك: سَلَقوكم بالأذى، لأن فعلهم ذلك كذلك، لا شكّ أنه للمؤمنين أذى.
وقوله: "أشِحّةً عَلى الخَيْرِ" يقول: أشحّة على الغنيمة، إذا ظفر المؤمنون. وقوله: "لَمْ يُؤْمنُوا فأحُبَطَ اللّهُ أعمالَهُمْ" يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ لك صفتهم في هذه الآيات، لم يصدّقوا الله ورسوله، ولكنهم أهل كفر ونِفاق، "فأحبط الله أعمالهم" يقول: فأذهب الله أجورَ أعمالهم وأبطلَها.
وقوله: "وكانَ ذلكَ على اللّهِ يَسِيرا" يقول تعالى ذكره: وكان إحباط عملهم الذي كانوا عملوا قبل ارتدادهم ونفاقهم على الله يسيرا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
إذا جاء الخوفُ طاشت من الرعبِ عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت عن النصرة جميعُ أعضائهم، وإذا ذهبَ الخوْفُ زَيَّنوا كلامَهم، وقدّموا خداعهم، واحتالوا في أحقاد خِستهم.. أولئك هذه صفاتهم؛ لم يباشر الإيمانُ قلوبهم، ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم.
{أشحة عليكم} أي بخلاء حيث لا ينفقون في سبيل الله شيئا وثانيهما: لا يأتون البأس بمعنى لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم، وقوله: {أشحة عليكم} أي بأنفسهم وأبدانهم.
ثم قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا}.
إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم، واعلم أن البخل شبيه الجبن، فلما ذكر البخل بين سببه وهو الجبن والذي يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعا فيما هو أضعاف ذلك، وأما بالنفس والبدن فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم، وقوله تعالى: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم} أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة، وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب، وقوله: {أشحة على الخير} قيل الخير المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في الوقتين في الأول يبخلون، وفي الآخر كذلك.
ثم قال تعالى: {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظا فأحبط الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله: {وكان ذلك على الله يسيرا} إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى: {وهو أهون عليه} وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه، فإن من أحرق شيئا يبقى منه رماد، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكما فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجهاً صالحاً، بين فساد قصدهم بقوله ذاماً غاية الذم بالتعبير بلفظ الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه {أشحة} أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلاً منهم شحيح {عليكم} أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال. ولما كان التقدير: في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال: {فإذا جاء الخوف} أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها {رأيتهم} أي أيها المخاطب {وينظرون} وبين بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية فقال: {إليك} أي حال كونهم {تدور} يميناً وشمالاً بإدارة الطرف {أعينهم} أي زائغة رعباً وخوراً، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال: {كالذي} أي كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال: {يغشى عليه} مبتدئاً غشيانه {من الموت} سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند القراع؛ ثم ذكر خاصة أخرى لبيان جبنهم فقال: {فإذا ذهب الخوف} أي بذهاب أسبابه {سلقوكم} أي تناولوكم تناولاً صعباً جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور {بألسنة حداد} ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله: {أشحة} أي شحاً مستعلياً {على الخير} أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره، شحاً لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، وهذه سنة أخرى في أن من كان صلباً في الرخاء كان رخواً حال الشدة وعند اللقاء.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{سَلَقُوكُم} ضربُوكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}، والسَّلْق البسطُ بقهرٍ باليدِ أو باللِّسانِ.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(أشحة عليكم) ففي نفوسهم كزازة على المسلمين. كزازة بالجهد وكزازة بالمال، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء. فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم؛ مع كل ذلك الادعاد العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان! وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل. فهو موجود دائما. وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء. وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف، وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان! (أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم).. فهذه هي العلة الأولى. العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، ولم تهتد بنوره، ولم تسلك منهجه. (فأحبط الله أعمالهم).. ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وضمير الخطاب في قوله {عليكم} للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين، وهو انتقال من القول الذي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم إلى كشف أحوالهم للرسول والمسلمين بمناسبة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إن المعوّقين كانوا منافقين يتميّزون بالصفات التالية:
أنّهم لم يكونوا أهل حرب أبداً، إلاّ بنسبة قليلة جدّاً.
لم يكونوا من أهل التضحية والإيثار سواء بالمال والنفس، ولم يكونوا يتحمّلون أقلّ المصاعب والمتاعب.
كانوا يفقدون توازنهم وشخصيتهم في اللحظات الحرجة العاصفة من شدّة الخوف. 4 يظنّون أنّهم سبب كلّ الانتصارات، ولهم كلّ الفخر عند الانتصار.
أنّهم كانوا أناسا بلا إيمان، ولم يكن لأعمالهم أيّة قيمة عند الله تعالى. وهذه الصفات هي التي تعرفنا بالمنافقين في كلّ عصر وزمان، وفي كلّ مجتمع وفئة. وهذا الوصف الدقيق الذي وصفهم القرآن به يمكن من خلاله معرفة من يشاركهم في الفكر والسلوك، وكم نرى بأم أعيننا في عصرنا من أمثالهم!! عن الخشونة في الكلام.