فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (19)

{ أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا 19 يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا 20 }

من خصال المنافقين- مع كراهيتهم أن يجاهدوا بأنفسهم في سبيل الله- أنهم بخلاء عليكم ، فما شاركوا في حفر الخندق ، ولا أنفقوا وجاهدوا بأموالهم ، فتولاهم الشيطان وخوفهم ، ويجوز أن تنصب{ أشحة } على الذم ، ويجوز أن تنصبه على القطع من{ المعوقين } كأنه قال : يعلم الله الذي يعوقون عن القتال ويشحون عن الإنفاق فإذا التقى الجمعان تلفت المنافق محددا بصره ، كأن سكرات الموت تغشاه ، قال ابن شجرة- في سبب ما غشيهم- : الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب ، فإذا انجلت المعركة آذوكم بألسنة نهاشة طعانة ، قال قتادة : ومعناه : بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة ، يقولون : أعطنا أعطنا ، فإنا قد شهدنا معكم ، فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا ، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم . وقيل : بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم ، قال السدي : أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله ، [ { أولئك لم يؤمنوا } يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان ، والمنفق كافر على الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكفر ، { فأحبط الله أعمالهم } . . لم يثبهم عليها ، إذ لم يقصدوا وجه الله تعالى بها ، { وكان ذلك على الله يسيرا } . . وكان نفاقهم على الله هينا . . . وكان إحباط عملهم على الله هينا ]{[3610]} ، ومن سوء ظنهم بربهم حسبوا أن جند الشرك لم ينهزم ، وإن جاءت جنود الكفر لمهاجمة المدينة تمنوا أن يفروا إلى البادية ليكونوا بمأمن من القتال ، يتربصون بكم ، ويسألون من يمر بهم عما جرى لكم يترقبون أن يستأصلكم عدوكم ، ولو انضموا إلى جمعكم لما أغنوا عنكم شيئا ، فإن الله موهن كيد الكافرين ، ولا يصلح عمل المفسدين .

إن القرآن حين يحدث عن أهل النفاق يهتك أستارهم ، ويكشف كيدهم ومكرهم ، يبين لكم لئلا يفتنوكم عن دينكم .

فبينما فواتح سورة البقرة تصف المؤمنين في آيات كريمات قليلات قصار ، وتصف الكافرين في آيتين ، تصف خداع المنافقين وضلالهم واحتيالهم في ثلاث عشرة آية ، وكذا استفاض حديث القرآن عن المنافقين في سورتي النساء والتوبة وغيرهما من السور .

وههنا ثلاث آيات قصيرات- التاسعة والعاشرة والحادية عشرة- كان الحديث فيها للمؤمنين وعنهم ، جاءت بعدها تسع آيات- من الثانية عشرة إلى العشرين- ينبئنا فيها العليم الخبير عن سفه هؤلاء وغدرهم ، وحقدهم على المؤمنين والحرص على خذلانهم ، والتربص بأهل الحق والمسارعة في تأييد عدوهم ، إلى نكث العقود وإن كان عهدا مع ربهم ، ) . . قاتلهم الله أنى يؤفكون( {[3611]} ) . . يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين . لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون( {[3612]} . فاحذروهم أيها المؤمنون .


[3610]:ما بين العارضتين مما أورد القرطبي.
[3611]:سورة التوبة. من الآية 30.
[3612]:من سورة التوبة. من الآية 47، والآية 48.