وقوله تعالى : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } استئناف كما قال شيخ الإسلام مسوق لبيان ما صدر عنه عليه السلام قد أدرج فيه عدم صدور القول المذكور عنه على أبلغ وجه وآكده حيث حكم بانتفاء صدور جميع الأقوال المغايرة للمأمور به فدخل فيه انتفاء صدور القول المذكور دخولاً أولياً . والمراد عند البعض ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه قيل : { مَا قُلْتُ لَهُمْ } نزولاً على قضية حسن الأدب لئلا يجعل ربه سبحانه ونفسه معاً آمرين ومراعاة لما ورد في الاستفهام . ودل على ذلك بإقحام أن المفسرة في قوله تعالى : { أَنِ اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ } . ولا يرد أن الأمر لا يتعدى بنفسه إلى المأمور به إلا قليلاً كقوله
: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** فكذا ما أول به لأنه كما قال ابن هشام لا يلزم من تأويل شيء بشيء أن يتعدى تعديته كما صرحوا به لأن التعدية تنظر إلى اللفظ . نعم قيل في جعل أن مفسرة بفعل الأمر المذكور صلته نحو أمرتك بهذا أن قم نظر أما في طريق القياس فلأن أحدهما مغن عن الآخر . وأما في الاستعمال فلأنه لم يوجد . ونظر فيما ذكر في طريق القياس لأن الأول لا يغني عن الثاني والثاني لا يغني عن الأول وللتفسير بعد الإبهام شأن ظاهر . وادعى ابن المنير أن تأويل هذا القول بالأمر كلفة لا طائل وراءها وفيه نظر . وجوز إبقاء القول على معناه و { أَنِ اعبدوا } إما خبر لمضمر أي هو أن اعبدوا أو منصوب بأعني مقدراً ، وقيل : عطف بيان للضمير في { بِهِ } ، واعترض بأنه صرح في «المغني » بأن عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقات فكما أن الضمير لا ينعت لا يعطف عليه عطف بيان ، وأجيب بأن ذلك من المختلف فيه وكثير من النحاة جوزوه . وما في «المغني » قد أشار شراحه إلى رده ، وقيل : بدل من الضمير بدل كل من كل . ورده الزمخشري في «الكشاف » بأن المبدل منه في حكم التنحية والطرح فيلزم خلو الصلة من العائد بطرحه ، وأجيب عنه بأن المذهب المنصور أن المبدل منه ليس في حكم الطرح مطلقاً بل قد يعتبر طرحه في بعض الأحكام كما إذا وقع مبتدأ فإن الخبر للبدل نحو زيد عينه حسنة ولا يقال حسن . وقد يقال أيضاً : إنه ليس كل مبدل منه كذلك بل ذلك مخصوص فيما إذا كان البدل بدل غلط ، وأجاب بعضهم بأنه وإن لزم خلو الصلة من العائد بالطرح لكن لا ضير فيه لأن الاسم الظاهر يقوم مقامه كما في قوله
: وأنت الذي في رحمة الله أطمع *** ولا يخفى أن في صحة قيام الظاهر هنا مقام الضمير خلافاً لهم ، وجوز أن يكون بدلاً من { مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } ، واعترض بأن { مَا } مفعول القول ولا بد فيه أن يكون جملة محكية أو ما يؤدي مؤداها أو ما أريد لفظه وإذا كان العبادة بدلاً كانت مفعول القول مع أنها ليست واحداً من هذه الأمور فلا يقال : ما قلت لهم إلا العبادة ، وفي «الانتصاف » «أن العبادة وإن لم تقل فالأمر بها يقال وأن الموصولة بفعل الأمر يقدر معها الأمر فيقال هنا ما قلت لهم إلا الأمر بالعبادة ولا ريب في صحته لأن الأمر مقول بل قول على أن جعل العبادة مقولة غير بعيد على طريقة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } [ المجادلة : 3 ] أي الوطء الذي قالوا قولاً يتعلق به وقوله تعالى : { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } [ مريم : 80 ] ونحو ذلك » ، وفي «الفوائد » أن المراد ما قلت لهم إلا عبادته أي الزموا عبادته فيكون هو المراد من { مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } ويصح كون هذه الجملة بدلاً من ما أمرتني به من حيث إنها في حكم المراد لأنها مقولة و { مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } مفرد لفظاً وجملة معنى ولا يخلو عن تعسف ، وجوز إبقاء القول على معناه وأن مفسرة إما لفعل القول أو لفعل الأمر ، واعترض بأن فعل القول لا يفسر بل يحكي به ما بعده من الجمل ونحوها وبأن فعل الأمر مسند إلى الله تعالى وهو لا يصح تفسيره بأعبدوا الله ربي وربكم بل بأعبدوني أو أعبدوا الله ونحوه ، وأجيب عن هذا بأنه «يجوز أن يكون حكاية بالمعنى كأنه عليه السلام حكى معنى قول الله عز وجل بعبارة أخرى وكأن الله تعالى قال له عليه السلام : مرهم بعبادتي أو قال لهم على لسان عيسى عليه السلام : أعبدوا الله رب عيسى وربكم فلما حكاه عيسى عليه السلام قال : { اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ } فكنى عن اسمه الظاهر بضميره كما قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : { قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّى فِى كتاب لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى * الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى } [ طه : 52 ، 53 ] فإن موسى عليه السلام لا يقول فأخرجنا بل فأخرج الله تعالى لكن لما حكاه الله تعالى عنه عليه السلام رد الكلام إليه عز شأنه وأضاف الإخراج إلى ذاته عز وجل على طريقة المتكلم لا الحاكي وإن كان أول الكلام حكاية . ومثله قوله تعالى : { لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } إلى قوله سبحانه : { فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } [ الزخرف : 9 11 ] إلى غير ذلك .
وقال أبو حيان : «يجوز أن يكون المفسر { اعبدوا الله } ويكون { رَبّى وَرَبَّكُمْ } من كلام عيسى عليه السلام على إضمار أعني ( أي أعني ربي وبكم ) لا على الصفة » لله عز اسمه واعتمده ابن الصائغ وجعله نظير قوله تعالى :
{ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } [ النساء : 751 ] على رأي . وفي «أمالي ابن الحاجب » إذا حكى حاك كلاماً فله أن يصف المخبر عنه بما ليس في كلام المحكي عنه ، واستبعد ذلك الحلبي والسفاقسي وهو الذي يقتضيه الإنصاف . وقيل على الأول : إن بعضهم أجاز وقوع أن المفسرة بعد لفظ القول ولم يقتصر بها على ما في معناه فيقع حينئذٍ مفسراً له لكن أنت تعلم أنه لا ينبغي الاختلاف في أنه لا يقترن المقول المحكي بحرف التفسير لأن مقول القول في محل نصب على المفعولية والجملة المفسرة لا محل لها فلعل مراد البعض مجرد الوقوع والتزام أن المقول محذوف وهو المحكي وهذا تفسير له أي ما قلت لهم مقولاً فتدبر فقد انتشرت كلمات العلماء هنا .
{ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } أي رقيباً أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك من غير واسطة ومشاهداً لأحوالهم من إيمان وكفر ، و { عَلَيْهِمْ } كما قال أبو البقاء متعلق بشهيداً ، لعل التقديم لما مر غير مرة { مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي مدة دوامي فيما بينهم { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } أي قبضتني بالرفع إلى السماء كما يقال توفيت المال إذا قبضته . وروي هذا عن الحسن وعليه الجمهور . وعن الجبائي أن المعنى أمتني وادعى أن رفعه عليه السلام إلى السماء كان بعد موته وإليه ذهب النصارى وقد مر الكلام في ذلك .
{ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي الحفيظ المراقب فمنعت من أردت عصمته عن المخالفة بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسول وإنزال الآيات وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا ، وقيل : المراد بالرقيب المطلع المشاهد ، ومعنى الجملتين إني ما دمت فيهم كنت مشاهداً لأحوالهم فيمكن لي بيانها فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لذلك لا غيرك فلا أعلم حالهم ولا يمكنني بيانها ، ولا يخفى أن الأول أوفق بالمقام ، وقد نص بعض المحققين أن الرقيب والشهيد هنا بمعنى واحد وهو ما فسر به الشهيد أولاً ولكن تفنن في العبارة ليميز بين الشهيدين والرقيبين لأن كونه عليه الصلاة والسلام رقيباً ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول وأنه تعالى شأنه هو الذي يمنع منع إلزام بالأدلة والبينات ، و { أَنتَ } ضمير فصل أو تأكيد و { الرَّقِيبَ } خبر كان . وقرىء { الرَّقِيبَ } بالرفع على أنه خبر ( أنت ) ، والجملة خبر كان و { عَلَيْهِمْ } في القراءتين متعلق بالرقيب . وقوله سبحانه : { وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه على ما قيل إيذان بأنه سبحانه كان هو الشهيد في الحقيقة على الكل حين كونه عليه السلام فيما بينهم ، و { على } متعلقة بشهيد ، والتقديم لمراعاة الفاصلة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ما قلت لهم} وأنت تعلم، {إلا ما أمرتني به} في الدنيا، {أن اعبدوا الله}، يعني وحدوا الله، {ربي وربكم}... {وكنت عليهم شهيدا}، يعني على بني إسرائيل بأن قد بلغتهم الرسالة، {ما دمت فيهم}، يقول ما كنت بين أظهرهم، {فلما توفيتني}، يقول: فلما بلغ بي أجل الموت، فمت {كنت أنت الرقيب عليهم}، يعني الحفيظ، {وأنت على كل شيء شهيد}، يعني شاهدا بما أمرتهم من التوحيد، وشهيد عليهم بما قالوا من البهتان...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم "اعْبُدُوا الله رَبّي ورَبّكُمْ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا": وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. "فَلمّا توفّيْتَني ": فلما قبضتني إليك،
"كُنْتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيهِمْ": كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.
وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرّفه أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: "أأنْتَ قُلْتَ للنّاسِ اتّخِذُونِي وأُمّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ... "وأنْتَ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ "يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت.
عن السديّ: أما الرقيب: فهو الحفيظ.
وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربه من الله تعالى توقيفا منه له فيه.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{مَا قُلتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيباً لمن اتخذه إلهاً معبوداً. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه.
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد. والثاني: أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
.." فلما توفيتني "أي قبضتني إليك وأمتني، "كنت أنت الرقيب عليهم"، والرقيب هو الذي يشاهد القوم ويرقب ما يعملون ويعرف ذلك، ثم اعترف بأنه تعالى "على كل شيء شهيد"، لأنه عالم بجميع الأشياء لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء، فهو يشهد على العباد بكل ما يعملونه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه، وهو أنه لم يتعد أمر الله في أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته... ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيداً ما دام فيهم في الدنيا. {فلما توفيتني}: قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء 3. والرقيب: الحافظ المراعي.
..واعلم أنه كان الأصل أن يقال: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولا على موجب الأدب الحسن، لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة... {فلما توفيتني} والمراد منه، وفاة الرفع إلى السماء، من قوله {إني متوفيك ورافعك إلى}...
{وأنت على كل شيء شهيد} يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية، ويجوز حمله على العلم، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
..لما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين: إشارة وعبارة، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال، وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها، يعبد الله تعالى بذلك: {ما قلت لهم} أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء {إلا ما أمرتني به} ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله: {أن اعبدوا} أي ما أمرتهم إلا بعبادة {الله} أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال: {ربي وربكم} أي أنا وأنتم في عبوديته سواء، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة، وهو من بدائع الأمثلة. ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال: {وكنت عليهم} أي خاصة لا على غيرهم. ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال معبراً بصيغة المبالغة: {شهيداً} أي بالغ الشهادة، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته {ما دمت فيهم} وأشار إلى الثناء على الله بقوله: {فلما توفيتني} أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي {كنت أنت} أي وحدك {الرقيب} أي الحفيظ القدير {عليهم} لا يغيب عليك شيء من أحوالهم، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات {وأنت على كل شيء} أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد {شهيد} أي مطلع غاية الاطلاع، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم إنه بعد تنزيه ربه، وتبرئة نفسه، وإقامة البرهانين على براءته، بين حقيقة ما قاله لقومه، لأن الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة، بحيث تظهر لهم هنالك حجة الله البالغة، إلا بإثبات ما كان يجب أن يكونوا عليه من أمر الدين والتوحيد بعد نفي ضده، فكان من شأن السامع لما سبق من النفي أن يسأل عما قاله في موضوعه، ولذلك قال: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} فهذا قول يتضمن إنكار أن يكون أمرهم باتخاذه وأمه إلهين وإثبات ضده، أي ما قلت لهم في شأن الإيمان وأصل الدين وأساسه الذي يبنى عليه غيره ولا يعتد بغيره دونه، إلا ما أمرتني بالتزامه اعتقادا وتبليغا وهو الأمر بعبادتك وحدك، مع التصريح بأنك ربي وربهم، وأنني عبد من عبادك مثلهم، أي إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم. فقوله: «أن اعبدوا الله» تفسير للمأمور به، وإنما قال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، ولم يقل ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، أدبا مع الله تعالى ومراعاة لما ورد في السؤال «أأنت قلت».
{وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} أي وكنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون فأقر الحق وأنكر الباطل مدة دوام وجودي بينهم {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} أي فلما توفيتني إليك كنت أنت المراقب لهم وحدك إذ انتهت مدة رسالتي فيهم ومراقبتي لهم وشهادتي عليهم، فلا أشهد على ما وقع منهم وأنا لست فيهم، وأنت شهيد عليهم وشهيد بيني وبينهم، بما أنك شهيد على كل شيء في ملكك، وأنت أكبر شهادة ممن تجعلهم شهداء من خلقك، {قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم} [الأنعام: 19].
وقد مر في هذه السورة ما يزكي تبرئة عيسى عليه السلام لنفسه ويؤيد قوله هنا، وذلك قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم – وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} [المائدة: 75] فجملة «وقال المسيح يا بني إسرائيل» الخ حالية أي قالوا قولهم ذلك والحال أن المسيح أمرهم بضده، وهو أن يعبدوا الله وحده.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
...وقد قلت لهم {أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ}...وقد يخطر بالبال سؤال، هل هذه الكلمة هي كل رسالة عيسى؟ وكيف يُمكن أن لا تكون هناك كلمة أخرى في الوقت الَّذي كان الإنجيل يُمثِّل حجماً كبيراً في مختلف جوانب الحياة من النصائح والمواعظ والتعاليم؟ والجواب عن ذلك: إنَّ هذه الكلمة تختصر كل تطلعات الرسالة وامتداداتها، لأنَّ العبادة لله تتمثَّل في تحرير النفس من الخضوع لكل شيء غير الله، سواء كان شخصاً، أو جهةً، أو صنماً، وأن تخضع لله في كل شأن من شؤون حياتك، فتطيعه في ما أمر به فتفعله، وفي ما نهى عنه فتتركه، وفي ما رسمه من وسائل وأهداف فتلتزم بها، وفي ما أوحى به من عقائد ومفاهيم فتعتقد بها.. وهكذا تتّسع العبادة لكل قضايا الحياة وأوضاعها، وسبلها، ووسائلها، وغاياتها، فيُمثِّل قيامك بكل مسؤولياتك الفرديّة والاجتماعيّة، المعنى الأعمق للعبادة، وتكون الصَّلاة والصوم والحج ونحوها مظهراً من مظاهرها، لا كلَّ شيء فيها، وبذلك تكون كل آفاق الرسالة وتحركاتها لوناً من ألوان العبادة الّتي تُحوِّل الحياة كلّها إلى مسجد، يتمثَّل فيها السجود لله في أكثر من شكل.