روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (68)

{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } خلقه من الأعيان والأعراض { وَيَخْتَارُ } عطف على يخلق ، والمعنى على ما قيل يخلق ما يشاؤه باختياره فلا يخلق شيئاً بلا اختيار ، وهذا مما لم يفهم مما يشاء فليس في الآية شائبة تكرار ، وقيل في دفع ما يتوهم من ذلك غير ما ذكر مما نقله ورده الخفاجي ولم يتعرض للقدح في هذا الوجه ، وأراه لا يخلو عن بعد ولي وجه في الآية سأذكره بعد إن شاء الله تعالى .

{ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } أي التخير كالطيرة بمعنى التطير وهما والاختيار بمعنى ، وظاهر الآية نفي الاختيار عن العبد رأساً كما يقوله الجبرية ، ومن أثبت للعبد اختياراً قال : إنه لكونه بالدواعي التي لو لم يخلقها الله تعالى فيه لم يكن كان في حيز العدم ، وهذا مذهب الأشعري على ما حققه العلامة الدواني قال : الذي أثبته الأشعري هو تعلق قدرة لعبد وإرادته الذي هو سبب عادي لخلق الله تعالى الفعل فيه ، وإذا فتشنا عن مبادئ الفعل وجدنا الإرادة منبعثة عن شوق له وتصور أنه ملائم وغير ذلك من أمور ليس شيء منها بقدرة العبد واختياره ، وحقق العلامة الكوراني في بعض رسائله المؤلفة في هذه المسألة أن مذهب السلف أن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله تعالى وأن له اختياراً لكنه مجبور باختياره وأدعى أن ذلك هو مذهب الأشعري دون ما شاع من أن له قدرة غير مؤثرة أصلاً بل هي كاليد الشلاء ونفي الاختيار عنه على هذا نحوه على ما مر فإنه حيث كان مجبوراً به كان وجوده كالعدم ، وقيل : إن الآية أفادت نفي ملكهم للاختيار ويصدق على المجبور باختياره بأنه غير مالك للاختيار إذ لا يتصرف فيه كما يشاء تصرف المالك في ملكه ، وقيل : المراد لا يليق ولا ينبغي لهم أن يختاروا عليه تعالى أي لا ينبغي لهم التحكم عليه سبحانه بأن يقولوا لم لم يفعل الله تعالى كذا .

ويؤيده أن الآية نزلت حين قال الوليد بن المغيرة { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] أو حين قال اليهود لو كان الرسول إلى محمد صلى الله عليه وسلم غير جبريل عليه السلام لآمنا به على ما قيل ، والجملة على هذا الوجه مؤكدة لما قبلها أو مفسرة له إذ معنى ذلك يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء أن يختاره لا ما يختاره العباد عليه ولذا خلت عن العاطف وهي على ما تقدم مستأنفة في جواب سؤال تقديره فما حال العباد أو هل لهم اختيار أو نحوه ؟ فقيل : إنهم ليس لهم اختيار ، وضعف هذا الوجه بأنه لا دلالة على هذا المعنى في «النظم الجليل » وفيه حذف المتعلق وهو على الله تعالى من غير قرينة دالة عليه ، وكون سبب النزول ما ذكر ممنوع ، والقول الثاني فيه يستدعي بظاهره أن يكون ضمير لهم لليهود وفيه من البعد ما فيه ، وقيل : { مَا } موصولة مفعول يختار والعائد محذوف ، والوقف على يشاء لا نافية ، والوقف على يختار كما نص عليه الزجاج .

وعلي بن سليمان . والنحاس كما في الوجهين السابقين أي ويختار الذي كان لهم فيه الخير والصلاح ، واختياره تعالى ذلك بطريق التفضل والكرم عندنا وبطريق الوجوب عند المعتزلة ، وإلى موصولية ما وكونها مفعول يختار ذهب الطبري إلا أنه قال في بيان المعنى عليه : أي ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس ، وأنكر أن تكون نافية لئلا يكون المعنى أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل ، وادعى أبو حيان أنه روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معنى ما ذهب إليه ، واعترض بأن اللغة لا تساعده لأن المعروف فيها أن الخيرة بمعنى الاختيار لا بمعنى الخير وبأنه لا يناسب ما بعده من تعالى قوله : { سبحان الله } الخ ، وكذا لا يناسب ما قبله من قوله سبحانه : { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } ، وضعفه بعضهم بأن فيه حذف العائد ولا يخفى أن حذفه كثير . وأجيب عما اعترض به الطبري بأنه يجوز أن يكون المراد بمعونة المقام استمرار النفي ؛ أو يكون المراد ما كان لهم في علم الله تعالى ذلك ، وهذا بعد تسليم لزوم كون المعنى ما ذكره لو أبقى الكلام على ظاهره . وقال ابن عطية : يتجه عندي أن يكون ما مفعول يختار إذا قدرنا كان تامة أي إن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه وقوله تعالى : { لَهُمُ الخيرة } جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله سبحانه لهم لو قبلوا وفهموا اه .

يعني والله تعالى أعلم أن المراد خيرة الله تعالى لهم أي اختياره لمصلحتهم . وللفاضل سعدي جلبي نحو هذا إلا أنه قال في قوله تعالى : { لَهُمُ الخيرة } إنه في معنى ألهم الخيرة بهمزة الاستفهام الإنكاري ، وذكر أن هذا المعنى يناسبه ما بعد من قوله سبحانه : { سبحان الله } الخ فإنه إما تعجيب عن إثبات الاختيار لغيره تعالى أو تنزيه له عز وجل عنه ، ولا يخفى ضعف ما قالاه لما فيه من مخالفة الظاهر من وجوه . ويظهر لي في الآية غير ما ذكر من الأوجه ، وهو أن يكون يختار معطوفاً على يخلق والوقف عليه تام كما نص عليه غير واحد وهو من الاختيار بمعنى الانتقاء والاصطفاء وكذا الخيرة بمعنى الاختيار بهذا المعنى والفعل متعد حذف مفعوله ثقة بدلالة ما قبله عليه أي ويختار ما يشاء ، وتقديم المسند إليه في كل من جانبي المعطوف والمعطوف عليه لإفادة الحصر ، وجملة ما كان لهم الخيرة مؤكدة لما قبلها حيث تكفل الحصر بإفادة النفي الذي تضمنته ، والكلام مسوق لتجهيل المشركين في اختيارهم ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة والشفاعة لهم يوم القيامة كما يرمز إليه { ادعوا شُرَكَاءكُمْ } [ القصص : 64 ] وللتعبير بما وجه ظاهر ، والمعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه فيصطفي مما يخلقه شفعاء ويختارهم للشفاعة ويميز بعض مخلوقاته جل جلاله على بعض ويفضله عليه بما شاء ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا ما شاءوا ويميزوا بعض مخلوقاته تعالى على بعض ويجعلوه مقدماً عنده عز وجل على غيره لأن ذلك يستدعي القدرة الكاملة وعدم كون فاعله محجوراً عليه أصلاً وأنى لهم ذلك فليس لهم إلا اتباع اصطفاء الله تعالى وهو جل وعلا لم يصطف شركاءهم الذين اصطفوهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصطفوهم عليه فما هم إلا جهال ضلال صدوا عما يلزمهم وتصدوا لما ليس لهم بحال من الأحوال ، وإن شئت فنزل الفعل منزلة اللازم وقل المعنى وربك لا غيره يخلق ما يشاء خلقه وهو سبحانه لا غيره يفعل الاختيار والاصطفاء فيصطفي بعض مخلوقاته لكذا وبعضاً آخر لكذا ويميز بعضاً منها على بعض ويجعله مقدماً عنده تعالى عليه فإنه سبحانه قادر حكيم لا يسأل عما يفعل وهو جل وعلا أعظم من أن يعترض عليه وأجل ، ويدخل في الغير المنفي عنه ذلك المشركون فليس لهم أن يفعلوا ذلك فيصطفوا بعض مخلوقاته للشفاعة ويختاروهم للعبادة ويجعلوهم شركاء له عز وجل ويدخل في الاختيار المنفي عنهم ما تضمنه قولهم { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] فإن فيه انتقاء غيره صلى الله عليه وسلم من الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي وتمييزه بأهلية تنزيل القرآن عليه فإن صح ما قيل : في سبب نزول هذه الآية من أنه القول المذكور كان فيها رد ذلك عليهم أيضاً إلا أنها لتضمنها تجهيلهم باختيارهم الشركاء واصطفائهم إياهم آلهة وشفعاء كتضمنها الرد المذكور جيء بها هنا متعلقة بذكر الشركاء وتقريع المشركين على شركهم ، وربما يقال : إنها لما تضمنت تجهيلهم فيما له نوع تعلق به تعالى كاتخاذ الشركاء له سبحانه وفيما له نوع تعلق بخاتم رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم غيره عليه الصلاة والسلام بأهلية الإرسال إليه وتنزيل القرآن عليه جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن إشراكهم وسؤالهم عن جوابهم للمرسلين الناهين لهم عنه الذين عين أعيانهم وقلب صدر ديوانهم رسوله الخاتم لهم صلى الله عليه وسلم فلها تعلق بكلا الأمرين إلا أن تعلقها بالأمر الأول أظهر وأتم وخاتمتها تقتضيه على أكمل وجه وأحكم .

وربما يقال أيضاً : إن لها تعلقاً بجميع ما قبلها ، أما تعلقها بالأمرين المذكورين فكما سمعت ، وأما تعلقها بذكر حال التائب فمن حيث أن انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيار الله تعالى إياه واصطفاءه له وتمييزه على من عداه ، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة وذكر انحصار الخلق فيه تعالى وتقديمه على انحصار الاختيار والاصطفاء مع أن مبنى التجهيل والرد إنما هو الثاني للإشارة إلى أن انحصار الاختيار من توابع انحصار الخلق ، وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارة إلى أن خلقه عز وجل ما شاء على وفق المصلحة والحكمة وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام وهي في غاية الحسن إن صح ما تقدم عن الوليد سبباً للنزول ، ويخطر في الباب احتمالات أخر في الآية فتأمل فإني لا أقول ما أبديته هو المختار كيف وربك جل شأنه يخلق ما يشاء ويختار { سبحان الله } أي تنزه تعالى بذاته تنزهاً خاصاً به من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره عز شأنه { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن إشراكهم على أن ما مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة بتقدير مضاف أي عن مشاركة ما يشركونه به كذا قيل ، وجعل بعضهم { سبحان الله } تعجيباً من إشراكهم من يضرهم بمن يريد لهم كل خير تبارك وتعالى وهو على احتمال كون { مَا } فيما تقدم موصولة مفعول يختار ، والمعنى ويختار ما كان لهم فيه الخير والصلاح ، ويجوز أن يكون تعجيباً أيضاً من اختيارهم شركاءهم الذين أعدوهم للشفاعة وإقدامهم على ما لم يكن لهم وذلك بناءً على ما ظهر لنا وظاهر كلام كثير أن الآية ليست من باب الإعمال ، وجوز أن تكون منه بأن يكون كل من سبحان وتعالى طالباً عما يشركون والأفيد على ما قيل أن لا تكون منه .