محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (68)

{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } أي بمقتضى مشيئته وعنايته ، ما يريد { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } أي في ذلك . بل الخيرة له في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه .

قال الزمخشري : الخيرة من التخير ، كالطيرة من التطير ، تستعمل بمعنى المصدر وهو التخير ، وبمعنى المتخير . كقولهم ( محمد خيرة الله من خلقه ) والقصد تقرير انفراده بالألوهية وحده . ولذا قال { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } من الأصنام والأنداد التي لا تخلق شيئا ولا تختار .

تنبيه :

للإمام ابن القيم في مقدمة ( زاد المعاد ) مقالة في هذه الآية الكريمة ، جديرة بأن تؤثر عنه . قال رحمه الله : وبعد . فإن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات . قال تعالى { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } وليس المراد ها هنا بالاختيار ، الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار ، وهو سبحانه كذلك . وليس المراد بالاختيار هنا هذا المعنى . وهذا الاختيار داخل في قوله { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } فإنه لا يخلق إلا باختياره ، وداخل في قوله تعالى : { ما يشاء } فإن المشيئة هي الاختيار . وإنما المراد بالاختيار هنا الاجتباء والاصطفاء . فهو اختيار بعد الخلق . والاختيار العام اختيار قبل الخلق . فهو أعم وأسبق . وهذا أخص وهو متأخر ، فهو اختيار من الخلق والأول اختيار للخلق . وأصح القولين الوقف التام على قوله : { ويختار } ويكون { ما كان لهم الخيرة } نفيا . أي ليس هذا الاختيار إليهم ، بل إلى الخالق وحده . فكما أنه هو المتفرد بالخلق ، فهو المتفرد بالاختيار منه . فليس لأحد أن يخلق ولا يختار سواه . فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره ومحال رضاه ، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له . وغيره لا يشاركه في ذلك بوجه . وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل ، إلى أن ( ما ) في قوله تعالى : { ما كان لهم الخيرة } موصولة وهي مفعول { يختار } أي ويختار الذي لهم الخيرة . وهذا باطل من وجوه : أحدها – أن الصلة حينئذ تخلو من العائد . لأن الخيرة مرفوع بأنه اسم { كان } ولهم } خبره . فيصير المعنى : ويختار الذي كان الخيرة لهم . وهذا التركيب محال من القول . فإن قيل : يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفا ، ويكون التقدير : ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه . أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في اختياره . وقيل : هذا يفسد من وجه آخر . وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد . فإنه إنما يحذف مجرورا إذا جر بحرف جر الموصول بمثله ، مع اتحاد المعنى نحو قوله تعالى : { يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون } ونظائره . ولا يجوز أن يقال جاءني الذي مررت ، ورأيت الذي رغبت ، ونحوه .

الثاني – أنه لو أريد أن هذا المعنى لنصب { الخيرة } وشغل فعل الصلة بضمير يعود على الموصول . فكأنه يقول : ويختار ما كان لهم الخيرة . أي الذي كان هو عين الخيرة لهم . وهذا لم يقرأ به أحد البتة . مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير .

الثالث – أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار وإرادتهم أن يكون الخيرة لهم . ثم ينفي هذا سبحانه عنهم ، ويبين تفرده بالاختيار ، كما قال تعالى {[6010]} : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، ورحمة ربك خير مما يجمعون } فأنكر عليهم سبحانه تخييرهم عليه . وأخبر أن ذلك ليس إليهم . بل إلى الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ومدد آجالهم . وكذلك هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل ، على حسب علمه بمواقع الاختيار ، ومن يصلح له ممن لا يصلح . وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات . وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل . فهو القاسم ذلك وحده لا غير . وهكذا هذه الآية . بين فيها انفراده بالخلق والاختيار . فالله سبحانه أعلم بمواقع اختياره كما قال {[6011]} : { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله . الله أعلم حيث يجعل رسالته } أي الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة ، دون غيره .

الرابع – أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال : { ما كان لهم الخيرة سبحان الله عما يشركون } ولم يكن شركهم مقتضيا لإثبات خالق سواه ، حتى نزه نفسه عنه . فتأمله فإنه في غاية اللطف .

الخامس – إن هذا نظير قوله في الحج {[6012]} : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا لو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذونه منه ، ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره ، إن الله لقوي عزيز } ثم قال {[6013]} : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، إن الله سميع بصير * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وإلى الله ترجع الأمور } وهذا نظير قوله في القصص {[6014]} : { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } ونظير قوله في الأنعام {[6015]} : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فأخبر في ذلك كله عن علمه المتضمن لتخصيصه محال اختياره ، بما خصصها به بعلمه ، بأنه يصلح له دون غيرها فتقدير السياق في هذه الآيات تجده متضمنا لهذا المعنى دائرا عليه . والله أعلم .

السادس – إن هذه الآية مذكورة عقب قوله {[6016]} : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ * فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } فكما خلقهم وحده سبحانه ، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحا ، فكانوا صفوته من عباده ، وخيرته من خلقه ، وكان هذا الاختيار راجعا إلى حكمته وعلمه سبحانه ، لمن هو أهل له . لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم . فسبحان الله وتعالى عما يشركون .

ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( فصل ) فإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه ، دالا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته . وأنه الله الذي لا إله إلا هو ، فلا شريك له يخلق كخلقه ، ويختار كاختياره ، ويدبر كتدبيره . فهذا الاختيار والتدبير والتخصيص ، المشهور أثره في هذا العالم ، من أعظم آيات ربوبيته ، وأكبر شواهد وحدانيته ، وصفات كماله وصدق رسوله . فنشير منه إلى شيء يسير يكون منبها على ما وراءه ، دالا على ما سواه . فخلق الله السماوات سبعا . فاختار العليا منها فجعلها مستقر المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه . وأسكنها من شاء من خلقه . فلها مزية وفضل على سائر السماوات . ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى . وهذا التفضيل والتخصيص ، مع تساوي مادة السماوات ، من أبين الأدلة على كمال قدرته وحكمته ، وأنه يخلق ما يشاء ويختار . ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان ، وتخصيصها ، بأن جعل عرشه سقفها . وفي بعض الآثار : ( إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه ) . ومن هذا اختياره من الملائكة ، المصطفين منهم على سائرهم . كجبريل ومكائيل وإسرافيل . وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم . واختيار الرسل منهم واختيار أولي العزم منهم . واختياره منهم الخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم . ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس أنواع بني آدم . ثم اختار منهم بني كنانة بن خزيمة ثم اختار من ولد كنانة قريشا ثم اختار من قريش بني هاشم ثم اختار من بني هاشم ، سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم . وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين . واختار منهم السابقين الأولين . واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان . واختار لهم من الدين أكمله ، ومن الشرائع أفضلها ، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها . واختار أمته صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم . ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفه وهي البلد الحرام فإنه سبحانه اختاره لنبيه ، وجعله مناسك لعباده . وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق . فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين ، كاشفي رؤوسهم ، متجردين عن لباس أهل الدنيا . وجعله حراما آمنا لا يسفك فيه دم ، ولا تعضد به شجرة ، ولا ينفر له صيد ولا يختلى خلاه ، ولا يلتقط لقطته للتملك . بل للتعريف ليس إلا . ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض . فخير الأيام عند الله يوم النحر . وهو يوم الحج الأكبر كما في ( السنن ) . وأفضل الشهور شهر رمضان . وعشره الأخير أفضل الليالي . وليلة القدر أفضل من ألف شهر ، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام . انتهى ملخصا .


[6010]:(43 الزخرف 31 و 32).
[6011]:(6 الأنعام 124).
[6012]:(22 الحج 73 و 74).
[6013]:(22 الحج 75 و 76).
[6014]:(28 القصص 69).
[6015]:(6 الأنعام 124).
[6016]:(28 القصص 65 – 68).