التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

{ بلى } إبطال لدعواهما . و ( بلي ) كلمة يجاب بها المنفي لإثبات نقيض النفي وهو الإثبات سواء وقعت بعد استفهام عن نفي وهو الغالب أو بعد خبر منفي نحو { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى } [ القيامة : 3 ، 4 ] ، وقول أبي حية النميري :

يخبرك الواشون أن لن أحبكم *** بلى وستور الله ذات المحارم

وقوله : { من أسلم } جملة مستأنفة عن ( بلى ) لجواب سؤال من يتطلب كيف نقض نفي دخول الجنة عن غير هذين الفريقين أريد بها بيان أن الجنة ليست حكرة لأحد ولكن إنما يستحقها من أسلم إلخ لأن قوله : { فله أجره } هو في معنى له دخول الجنة وهو جواب الشرط لأن ( من ) شرطية لا محالة . ومن قدر هنا فعلاً بعد { بلى } أي يدخلها من أسلم فإنما أراد تقدير معنى لا تقدير إعراب إذ لا حاجة للتقدير هنا .

وإسلام الوجه لله هو تسليم الذات لأوامر الله تعالى أي شدة الامتثال لأن أسلم بمعنى ألقى السلاح وترك المقاومة قال تعالى : { فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني } [ آل عمران : 20 ] . والوجه هنا الذات عبر عن الذات بالوجه لأنه البعض الأشرف من الذات كما قال الشنفرى :

*إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري{[157]} *

ومن إطلاق الوجه على الذات قوله تعالى : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [ الرحمن : 27 ] . وأطلق الوجه على الحقيقة تقول جاء بالأمر على وجهه أي على حقيقته قال الأعشى :

وأول الحكم على وجهه *** ليس قضاء بالهوى الجائر

ووجوه الناس أشرافهم ويجوز أن يكون { أسلم } بمعنى أخلص مشتقاً من السلامة أي جعله سالماً ومنه { ورجلاً سلماً لرجل } [ الزمر : 29 ] .

وقوله : { وهو محسن } جيء به جملة حالية لإظهار أنه لا يغني إسلام القلب وحده ولا العمل بدون إخلاص بل لا نجاة إلا بهما ورحمة الله فوق ذلك إذ لا يخلو امرؤ عن تقصير .

وجمع الضمير في قوله : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } اعتباراً بعموم ( من ) كما أفرد الضمير في قوله : { وجهه لله وهو محسن } اعتباراً بإفراد اللفظ وهذا من تفنن العربية لدفع سآمة التكرار .


[157]:- مصراع بيت وتمامه: * وغودر عند الملتقى ثم سائري *
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

ثم قال تعالى : { بلى } ردا عليهم وتكذيبا لهم ، أي ليس كما تقولون . وقيل : إن " بلى " محمولة على المعنى ، كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد ؟ فقيل : { بلى من أسلم وجهه لله } ومعنى :{ أسلم } استسلم وخضع . وقيل : أخلص عمله . وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ، ولأنه موضع الحواس ، وفيه يظهر العز والذل . والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء . ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد . { وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } جملة في موضع الحال ، وعاد الضمير في { وجهه } و{ له } على لفظ " من " وكذلك { أجره } وعاد في { عليهم } على المعنى ، وكذلك في { يحزنون } وقد تقدم{[1086]} .


[1086]:راجع ج 1 ص 229 طبعة ثانية.