البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} (14)

وتقدم تفسير النطفة والعلقة والمضغة .

وقرأ الجمهور عظاماً و { العظام } الجمع فيهما .

وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفضل والحسن وقتادة وهارون والجعفي ويونس عن أبي عمرو وزيد بن عليّ بالإفراد فيهما .

وقرأ السلمي وقتادة أيضاً والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد الأول وجمع الثاني .

وقرأ أبو رجاء وإبراهيم بن أبي بكر ومجاهد أيضاً بجمع الأول وإفراد الثاني فالإفراد يراد به الجنس .

وقال الزمخشري : وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس لأن الإنسان ذو عظام كثيرة انتهى .

وهذا لا يجوز عند سيبويه وأصحابنا إلاّ في الضرورة وأنشدوا :

كلوا في بعض بطنكم تعفوا***

ومعلوم أن هذا لا يلبس لأنهم كلهم ليس لهم بطن واحد ومع هذا خصوا مجيئه بالضرورة { ثم أنشأناه خلقاً آخر } قال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد ، هو نفخ الروح فيه .

وقال ابن عباس أيضاً : خروجه إلى الدنيا .

وقالت فرقة : نبات شعره .

وقال مجاهد : كمال شبابه .

وقال ابن عباس أيضاً تصرفه في أمور الدنيا .

قال ابن عطية : وهذا التخصيص لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجود النطق والإدراك ، وأول رتبة من كونه آخر نفخ الروح وآخره تحصيله المعقولات إلى أن يموت انتهى .

ملخصاً وهو قريب مما رواه العوفي عن ابن عباس ، ويدل عليه قوله بعد ذلك { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } .

وقال الزمخشري ما ملخصه : { خلقاً آخر } مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً ناطقاً سميعاً بصيراً ، وأودع كل عضو وكل جزء منه عجائب وغرائب لا تدرك بوصف ولا تبلغ بشرح ، وقد احتج أبو حنيفة بقوله { خلقاً آخر } على أن غاصب بيضة أفرخت عنده يضمن البيضة ولا يرد الفرخ .

وقال { أنشأنا } جعل إنشاء الروح فيه وإتمام خلقه إنشاءً له .

قيل : وفي هذا رد على النظام في زعمه أن الإنسان هو الروح فقط ، وقد بيّن تعالى أنه مركب من هذه الأشياء ورد على الفلاسفة في زعمهم أن الإنسان شيء لا ينقسم ، وتبارك فعل ماض لا يتصرف .

ومعناه تعالى وتقدس و { أحسن الخالقين } أفعل التفضيل والخلاف فيها إذا أضيفت إلى معرفة هل إضافتها محضة أم غير محضة ؟ فمن قال محضة أعرب { أحسن } صفة ، ومن قال غير محضة أعربه بدلاً .

وقيل : خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أحسن الخالقين ، ومعنى { الخالقين } المقدرين وهو وصف يطلق على غير الله تعالى كما قال زهير :

ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري

قال الأعلم : هذا مثل ضربه يعني زهيراً ، والخالق الذي لا يقدر الأديم ويهيئه لأن يقطعه ويخرزه والفري القطع .

والمعنى أنك إذا تهيأت لأمر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه .

وقال ابن عطية : معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئاً خلقه وأنشد بيت زهير .

قال : ولا تُنفي هذه اللفظة عن البشر في معنى الصنع إنما هي منفية بمعنى الاختراع .

وقال ابن جريج : قال { الخالقين } لأنه أذن لعيسى في أن يخلق وتمييز أفعل التفضيل محذوف لدلالة الخالقين عليه ، أي { أحسن الخالقين } خلقاً أي المقدرين تقديراً .

وروي أن عمر لما سمع { ولقد خلقنا الإنسان } إلى آخره قال { فتبارك الله أحسن الخالقين } فنزلت .

وروي أن قائل ذلك معاذ .

وقيل : عبد الله بن أبي سرح ، وكانت سبب ارتداده ثم أسلم وحَسُنَ إسلامه .