التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (68)

{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة }

هذا من تمام الاعتراض وهي جملة { فأما من تاب وءامن وعمل صالحاً } [ القصص : 67 ] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل ، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء ، وأنه الذي اختار فريقاً على فريق . وفي « أسباب النزول » للواحدي « قال أهل التفسير نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه { وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] اه . يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف . وهما المراد بالقريتين . وتبعه الزمخشري وابن عطية . فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله { ماذا أجبتم المرسلين } [ القصص : 65 ] ، فإن قولهم { لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى : أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار ، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله ، وهذا في معنى قوله { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } [ الأنعام : 124 ] ، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم ؛ والوجهان لا يتزاحمان .

والمقصود من الكلام هو قوله { ويختار } فذكر { يخلق ما يشاء } إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته .

وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم .

وجوز أن يكون { ما } من قوله { ما كان لهم الخيرة } موصولة مفعولاً لفعل { يختار } وأن عائد الموصول مجرور ب ( في ) محذوفين . والتقدير : ويختار ما لهم فيه الخير ، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم لا ما يشتهونه من رجالهم .

وجملة { ما كان لهم الخيرة } استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي . وصيغة { ما كان } تدل على نفي للكون يفيد أشد مما يفيد لو قيل : ما لهم الخيرة ، كما تقدم في قوله تعالى { وما كان ربك نسيَّاً } في سورة مريم ( 64 ) .

والابتداء بقوله { وربك يخلق ما يشاء } تمهيد للمقصود وهو قوله { ويختار ما كان لهم الخيرة } أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار .

و { الخيرة } بكسر الخاء وفتح التحتية : اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة اسم لمصدر التطير . قال ابن الأثير : ولا نظير لهما . وفي « اللسان » ما يوهم أن نظيرهما : سبي طيبة ، إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد . ويحتمل أنه أراد التنظير في الزنة لا في المعنى ، لأنها زنة نادرة .

واللام في { لهم } للملك ، أي ما كانوا يملكون اختياراً في المخلوقات حتى يقولوا { لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] . ونفي الملك عنهم مقابل لقوله { ما يشاء } لأن { ما يشاء } يفيد معنى ملك الاختيار .

وفي ذكر الله تعالى بعنوان كونه رباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه اختاره لأنه ربه وخالقه فهو قد علم استعداده لقبول رسالته .

{ سبحان الله وتعالى عما يشركون } .

استئناف ابتدائي لإنشاء تنزيه الله وعلوه على طريقة الثناء عليه بتنزهه عن كل نقص وهي معترضة بين المتعاطفين . و { سبحان } مصدر نائب مناب فعله كما تقدم في قوله { قالوا سبحانك لا علم لنا } في سورة البقرة ( 32 ) . وأضيف { سبحان } إلى اسمه العلم دون أن يقال : وسبحانه ، بعد أن قال { وربك يعلم } [ القصص : 69 ] لأن اسم الجلالة مختص به تعالى وهو مستحق للتنزيه بذاته لأن استحقاق جميع المحامد مما تضمنه اسم الجلالة في أصل معناه قبل نقله إلى العلمية .

والمجرور يتنازعه كلا الفعلين . ووجه تقييد التنزيه والترفيع ب ( ما يشركون ) أنه لم يجترىء أحد أن يصف الله تعالى بما لا يليق به ويستحيل عليه إلا أهل الشرك بزعمهم أن ما نسبوه إلى الله إنما هو كمال مثل اتخاذ الولد أو هو مما أنبأهم الله به ، و { إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } [ الأعراف : 28 ] . وزعموا أن الآلهة شفعاؤهم عند الله . وقالوا في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك . وأما ما عدا ذلك فهم معترفون بالكمال لله ، قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [ لقمان : 25 ] . و { ما } مصدرية أي سبحانه وتعالى عن إشراكهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (68)

قوله تعالى : " وربك يخلق ما يشاء ويختار " هذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم للشفاعة . أي الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء لا إلى المشركين . وقيل : هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال : " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " [ الزخرف : 31 ] يعني نفسه زعم ، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف . وقيل : هو جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به . قال ابن عباس : والمعنى : وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته . وقال يحيى بن سلام : والمعنى : وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته . وحكى النقاش : إن المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، ويختار الأنصار لدينه .

قلت : وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر ( إن الله تعالى اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمتي - على سائر الأمم واختار لي من أمتي أربعة قرون ) وذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه في قوله عز وجل : " وربك يخلق ما يشاء ويختار " قال : من النعم الضأن ، ومن الطير الحمام والوقف التام " يختار " وقال علي بن سليمان : هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون " ما " في موضع نصب ب " يختار " لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء . قال : وفي هذا رد على القدرية . قال النحاس : التمام " ويختار " أي ويختار الرسل .

قوله تعالى : " ما كان لهم الخيرة " أي ليس يرسل من اختاروه هم قال أبو إسحاق : " ويختار " هذا الوقف التام المختار ويجوز أن تكون " ما " في موضع نصب ب " يختار " ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة . قال القشيري : الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله " ويختار " قال المهدوي : وهو أشبه بمذهب أهل السنة و " ما " من قوله : " ما كان لهم الخيرة " نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل . الزمخشري : " ما كان لهم الخيرة " بيان لقوله : " ويختار " لأن معناه يختار ما يشاء ، ولهذا لم يدخل العاطف . والمعني : وإن الخيرة الله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه وأجاز الزجاج وغيره أن تكون " ما " منصوبة ب " يختار " وأنكر الطبري أن تكون " ما " نافيه ، لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى ، وهي لهم فيما يستقبل ، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي . قال المهدي :ولا يلزم ذلك ؛ لأن " ما " تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك عملت عملها ، ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما يسأل عنه ، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص . وتقدير الآية عند الطبري : ويختار من خلقه ، لأن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم ، فقال الله تبارك وتعالى : " وربك يخلق ما يشاء ويختار " للهداية ومن خلقه من سبقت له السعادة في علمه ، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم ف " ما " على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي " والخيرة " رفع بالابتداء " ولهم " الخبر والجملة خبر " كان " وشبهه بقولك : كان زيد أبوه منطلق وفيه ضعف ، إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان إلا أن يقدر فيه حذف فيجوز على بعد . وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس قال الثعلبي : " ما " نفي أي ليس لهم الاختيار على الله . وهذا أصوب كقوله تعالى : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " [ الأحزاب : 36 ] قال محمود الوراق :

توكل على الرحمن في كل حاجةٍ *** أردت فإن الله يقضي ويقدِرُ

إذا ما يُرِدْ ذو العرش أمراً بعبده *** يُصِبْهُ وما للعبد ما يَتَخَيَّرُ{[12379]}

وقد يهلك الإنسان من وجه حِذْرِهِ *** وينجو بحمد الله من حيث يَحْذَرُ{[12380]}

وقال آخر :

العبدُ ذو ضَجَرٍ والرب ذو قَدَرٍ *** والدهر ذو دُوَلٍ والرزق مقسومُ

والخير أجمع فيما اختار خالقُنا *** وفي اختيار سواه اللَّوْمُ والشُّومُ

قال بعض العلماء : لا ينبغي لأحد أن يقدر على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة ألأولى بعد الفاتحة : " قل يا أيها الكافرون " [ الكافرون : 1 ] في الركعة الثانية " قل هو الله أحد " [ الإخلاص : 1 ] واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " الآية ، وفي الركعة الثانية : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " [ الأحزاب : 36 ] وكل حسن ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام ، وهو ما رواه البخاري من صحيحه عن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ، كما يعلمنا السورة في القرآن ، يقول : ( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ) . قال : ويسمي حاجته . وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمرا قال : ( اللهم خر لي واختر لي ) وروى أنس أن النبي صلى الله عليه قال : ( يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى ما يسبق قلبك فإن الخير فيه ) قال العلماء : وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور ، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه ، فإن الخير فيه إن شاء الله وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم نزه نفسه سبحانه فقال : " سبحان الله " أي تنزيها . " وتعالى " أي تقدس وتمجد " عما يشركون " .


[12379]:في بعض نسخ الأصل: وما للعبد لا يتخير. والتصحيح من النسخة الخيرية.
[12380]:لعل صواب البيت: وينجو بحمد الله من ليس يحذر. وهذا ما يفيده معنى التوكل.