التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

استئناف ابتدائي لتهوين تألّب المنافقين واليهود على الكذب والاضطراب في معاملة الرّسول صلى الله عليه وسلم وسوء طواياهم معه ، بشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا عسى أن يحزنه من طيش اليهود واستخفافهم ونفاق المنافقين . وافتتح الخطاب بأشرف الصّفات وهي صفة الرّسالة عن الله .

وسبب نزول هذه الآيات حدَث أثناء مدّة نزول هذه السّورة فعقّبت الآيات النّازلة قبلها بها . وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه هو ما رواه أبو داوود ، والواحدي في « أسباب النّزول » ، والطبري في « تفسيره » ما محصّله : أنّ اليهود اختلفوا في حدّ الزاني ( حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو أهل فَدَك ) ، بَين أن يُرجم وبين أن يجلد ويحمَّم اختلافاً ألجأهم إلى أن أرسلوا إلى يهود المدينة أن يحكِّموا رسول الله في شأن ذلك ، وقالوا : إنْ حكم بالتّحميم قبِلْنا حكمَه وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه ، وأنّ رسول الله قال لأحبارهم بالمدينة : " ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحْصن " ، قالوا : يحمّم ويُجلد ويطاف به ، وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كذّبهم وأعلمهم بأنّ حكم التّوراة هو الرّجم على من أحصَن ، فأنكروا ، فأمر بالتّوراة أن تنشر ( أي تفتَح طيّاتها وكانوا يلفّونها على عود بشكل اصطواني ) وجعَل بعضُهم يقرأها ويضع يده على آية الرجم ( أي يقرؤها للّذين يفهمونها ) فقال له رسول الله : ارفع يدك فرفع يده فإذا تحتها آية الرّجم ، فقال رسول الله : " لأكونَن أوّل من أحيَى حُكم التّوراة " فحكم بأنّ يُرجم الرجل والمرأةُ . وفي روايات أبي داوود أنّ قوله تعالى : { يأيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر } نزل في شأن ذلك ، وكذلك روى الواحدي والطبري .

ولم يذكروا شيئاً يدلّ على سبب الإشارة إلى ذكر المنافقين في صدر هذه الآية بقوله : { من الّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . ولعلّ المنافقين ممّن يبطنون اليهوديّة كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية ، أو كانوا ينتظرون أن لا يوجد في التّوراة حكم رجم الزّاني فيتّخذوا ذلك عذراً لإظهار ما أبطنوه من الكفر بعلّة تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم .

وأحسب أنّ التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنّهم يصدّقون برسالته ولا لأنّهم يعُدّون حكمهُ ترجيحاً في اختلافهم ولكن لأنّهم يَعدّونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها . ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير أحْبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عَليهم من غير أهل ملّتهم . فلمّا اختلفوا في حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأنّ حكم وليّ الأمر مطاع عندهم . فحكَم رسول الله حكماً جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم وبين إظهار خَطَئهم في العدول عن حكم كتابهم ، ولذلك سمّاه الله تعالى القسط في قوله : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } .

ويحتمل أن يكون ناشئاً عن رأي من يثبت منهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم ويقول : إنّه رسول للأميّين خاصّة . وهؤلاء هم اليهود العيسوية ، فيكون حكمه مؤيّداً لهم ، لأنّه يعدّ كالإخبار عن التّوراة ، ويؤيّده ما رواه أبو داوود عن أبي هريرة أنّ يهودياً زنى بيهوديّة فقال بعضهم لبعض : اذهبُوا بنا إلى محمّد فإنّه بُعث بالتّخفيف ، فإن أفتى بالجلد دون الرجم قِبلنا واحتججنا بها عند الله وقلنا فُتْيَا نبيء من أنبيائك ، وإمّا أن يكون ذلك من نوع الاعتضاد بموافقة شريعة الإسلام فيكون ترجيح أحد التأويلين بموافقته لشرع آخر . ويؤيّده ما رواه أبو داوود والترمذي أنّهم قالوا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ؛ وإمّا أن يكونوا قد عدلوا عن حكم شريعتهم توقّفاً عند التّعارض فمالوا إلى التّحكيم . ولعلّ ذلك مباح في شرعهم ، ويؤيّده أنّه ورد في حديث البخاري وغيره أنّهم لمّا استفتوا النّبيء صلى الله عليه وسلم انطلق مع أصحابه حتّى جَاء المدارس وهو بيت تعليم اليهود وحاجَّهُم في حكم الرّجم ، وأجابه حَبران منهم يُدعيان بابْنَي صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم ، في التّوراة ؛ وإمّا أن يكونوا حكّموا النّبيء صلى الله عليه وسلم قصداً لاختباره فيما يدّعي من العلم بالوحي ، وكان حكم الرجم عندهم مكتوماً لا يعلمه إلاّ خاصّة أحبارهم ، ومنسياً لا يذكر بين علمائهم ، فلمّا حَكم عليهم به بهتوا ، ويؤيّد ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرّجم . ففي « صحيح البخاري » أنّهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التّوراة وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم جاء المدراس فأمر بالتّوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت آية الرجم واعترف ابنَا صوريا بها . وأيّامّا كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال نظام الشّريعة بين اليهود يومئذٍ وضعف ثقتهم بعلومهم .

ومعنى { لا يحزنك الّذين يسارعون } نهيه عن أن يحصل له إحزانٌ مسند إلى الّذين يسارعون في الكفر . والإحزانِ فِعل الّذين يسارعون في الكفر ، والنّهي عن فعل الغير إنّما هو نهي عن أسبابه ، أي لا تجعلْهم يحْزنونك ، أي لا تهتمّ بما يفعلون ممّا شأنه أن يُدخِل الحزن على نفسك . وهذا استعمال شائع وهو من استعمال المركّب في معناه الكِنائي . ونظيره قولهم : لا أعرفَنَّك تفعل كذا ، أي لا تفعل حتّى أعرفَه . وقولهم : لا أُلفينّك هَهنا ، ولاَ أرَيَنّك هنا .

وإسناد الإحزان إلى الّذين يسارعون في الكفر مجاز عقلي ليست له حقيقة لأنّ الّذين يسارعون سبب في الإحزان ، وأمّا مثير الحزن في نفس المحزون فهو غير معروف في العرف ؛ ولذلك فهو من المجاز الّذي ليست له حقيقة .

وأمّا كون الله هو موجد الأشياء كُلّها فذلك ليس ممّا تترتّب عليه حقيقة ومجاز ؛ إذ لو كان كذلك لكان غالب الإسناد مجازاً عقلياً ، وليس كذلك ، وهذا ممّا يغلط فيه كثير من النّاظرين في تعيين حقيقة عقليّة لبعض موارد المجاز العقلي . ولقد أجاد الشيخ عبد القاهر إذ قال في « دلائل الإعجاز » « اعلم أنّه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التّقدير إذا أنتَ نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنّك لا تجد في قولك : أقدمَني بَلَدَك حقّ لي على فلان ، فاعلاً سوى الحقّ » ، وكذلك في قوله :

وصَيّرني هَوَاكِ وبِي *** لِحَيْني يُضرب المثَل

و يزيدك وجهه حُسناً .

أنْ تزعم أن له فاعلاً قد نُقل عنه الفعل فجُعل للهوى وللوجه » اهـ . ولقد وَهِمَ الإمام الرازي في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشّواهد الدّالة على أنّ أفعالاً قد أسندت لفاعل مجازي مع أنّ فاعلها الحقيقي هو الله تعالى ، فإنّ الشّيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنّه يبحث عن الفاعل الّذي يسند إليه الفعل حقيقة في عرف النّاس من مؤمنين وكافرين . ويدلّ لذلك قوله : « إذا أنتَ نقلت الفعل إليه » أي أسندتَه إليه .

ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كلّ فرصة ، فشبّه إظهاره المتكرّرُ بإسراع الماشي إلى الشيء ، كما يقال : أسرع إليه الشيب ، وقوله : إذا نهي السفيه جرى إليه . وعدّي بفي الدالّة على الظرفية للدلالة على أنّ الإسراع مجاز بمعنى التوغّل ، فيكون ( في ) قرينة المجاز ، كقولهم : أسْرع الفساد في الشيء ، وأسْرع الشيب في رأس فلان . فجعل الكفر بمنزلة الظّرف وجعل تخبّطهم فيه وشدّة ملابستهم إيّاه بمنزلة جولان الشّيء في الظرف جولاناً بنشاط وسرعة . ونظيره قوله { يسارعون في الإثم } [ المائدة : 62 ] ، وقوله : { نسارع لهم في الخيرات } المؤمنون : 56 ) ، { أولئك يسارعون في الخيرات } [ المؤمنون : 61 ] . فهي استعارة متكرّرة في القرآن وكلام العرب . وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله : { يسارعون فيهم } [ المائدة : 52 ] .

وقوله : { من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم } إلخ بيان للّذين يسارعون في الكفر . والّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون .

وقوله : { ومن الّذين هادوا } معطوف على قوله : { من الّذين قالوا آمنّا } والوقفُ على قوله : { ومن الّذين هادوا } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الرسول لا يحزنك " الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال : قيل نزلت في بني قريظة والنضير ، قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يقيدوهم ، وإنما يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا . وقيل : إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح{[5587]} . وقيل : إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم ، وهذا أصح الأقوال . رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود . قال أبو داود عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ) فجاؤوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ) ؟ قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكم أن ترجموهما ) ، قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود{[5588]} ، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما . وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبدالله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه ، فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم ) ، فقال ابن صوريا : فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبلة زنية ، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو ذاك ) . وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما{[5589]} مجلودا ، فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ) قالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ) قال : لا - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأمر به فرجم ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه " يقول : ائتوا محمدا ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، فأنزل الله عز وجل : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [ المائدة 44 ] ، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " [ المائدة : 45 ] ، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " [ المائدة : 47 ] في الكفار كلها . هكذا في هذه الرواية ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي حديث ابن عمر : أتي بيهودي ويهودية فد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود ، قل : ( ما تجدون في التوراة على من زنى ) الحديث . وفي رواية : أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجل وامرأة قد زنيا . وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود ، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف{[5590]} فأتاهم في بيت المدراس{[5591]} فقالوا : يا أبا القاسم ، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا . ولا تعارض في شيء من هذا كله ، وهي كلها قصة واحدة ، وقد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بعث بالتخفيفات ، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه . فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب ، فقال : ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ) ، فقالوا : يحمم وجهه ويجبَّه ويجلد ، والتجبيه : أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف به . قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ{[5592]} به النشدة . فقال : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم . وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني أحكم بما في التوراة ) فأمر بهما فرجما .

الثانية : والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة . واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا ، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان . فهذه مسائل أربع . فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام ، فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكا رأى الإعراض عنهم{[5593]} أولى ، فإن حكم حكم بينهم{[5594]} بحكم الإسلام . وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود . وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال ، وهو قول الزهري وعمر بن عبدالعزيز والحكم ، وروي عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي ؛ لقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] على ما يأتي بيانه بعد{[5595]} ، احتج مالك بقوله تعالى : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة : 42 ] وهي نص في التخيير . قال ابن القاسم : إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير ؛ لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة والمخالف يقول : لا يلتفت إلى الأساقفة . قال ابن العربي : وهو الأصح ؛ لأن مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ ، ولم يعتبر رضا الحاكم . فالكتابيون بذلك أولى . وقال عيسى عن ابن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب . قال ابن العربي : وهذا الذي قال عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك ، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . واسم المرأة الزانية بسرة ، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه{[5596]} واقبلوه ، وإن أفتاكم به فاحذروه{[5597]} ؛ الحديث . قال ابن العربي : وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا ، وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم ، فلا حجة لرواية عيسى في هذا ، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله : " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع ، فكل من حكم رجلا في الدين وهي :

الثالثة : فأصله هذه الآية . قال مالك : إذا حكم رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه ، إلا أن يكونوا جورا بينا . وقال سحنون : يمضيه إن رآه صوابا{[5598]} . قال ابن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب ، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان ، والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه ، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج{[5599]} الحمر ، فلا بد من فاصل ، فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج ، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة . وقال الشافعي وغيره : التحكيم جائز وإنما هو فتوى . وقال بعض العلماء : إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم ، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ؛ ألا ترى أنه قال : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) وأن ذلك كان حين قدم المدينة ، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك . وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به . وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي ، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا ، فبين له النبي{[5600]} صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بمشروعية الرجم ، ومبدؤه ذلك الوقت ، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبين أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة حكم الله سبحانه ؛ لقوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " {[5601]} [ المائدة : 44 ] وهو من الأنبياء . وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) والله أعلم .

الرابعة : والجمهور على رد شهادة الذمي ؛ لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر ، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذ لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة فإن قيل : فقد حكم بشهادتهم ورجم{[5602]} الزانيين ؟ فالجواب أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم ، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفذا لا حاكما{[5603]} . وهذا على التأويل الأول ، وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة ، إذ لم يسمع في الصدر الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك . والله أعلم .

الخامسة : قوله تعالى : " لا يحزنك " قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي ، والباقون بفتح الياء وضم الزاي . والحزن والحزن خلاف السرور ، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين ، وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ، ومحزون بني عليه . قال اليزيدي : حزنه لغة قريش ، وأحزنه لغة تميم ، وقد قرئ بهما . واحتزن وأحزن بمعنى . والمعنى في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم : أي لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر ، فإن الله قد وعدك النصر عليهم .

السادسة : قوله تعالى : " من الذين قالوا آمنا بأفواههم " وهم المنافقون " ولم تؤمن قلوبهم " أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم " ومن الذين هادوا " يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام ، ثم ابتدأ فقال " سماعون للكذب " أي هم سماعون ، ومثله " طوافون عليكم " {[5604]} [ النور : 58 ] . وقيل الابتداء من قوله : " ومن الذين هادوا " ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب ، أي قابلون لكذب رؤسائه من تحريف التوراة . وقيل : أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك ، فكان فيهم من يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم ، ويقبح صورته في أعينهم ، وهو معنى قوله : " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " وكان في المنافقين من يفعل هذا . قال الفراء ويجوز سماعين وطوافين ، كما قال : " ملعونين أينما ثقفوا{[5605]} " وكما قال : " إن المتقين في جنات ونعيم " . [ الطور : 17 ] ثم قال : " فاكهين " " آخذين{[5606]} " . وقال سفيان بن عيينة : إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله : " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولم يعرض النبي صلى الله علبه وسلم لهم مع علمه بهم ؛ لأنه لم يكن حينئذ تقررت الأحكام ولا تمكن الإسلام . وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " {[5607]} إن شاء الله تعالى .

السابعة : قوله تعالى : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " أي يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل ، وبين أحكامه ، فقالوا : شرعه ترك الرجم ، وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز وجل . و " يحرفون " في موضع الصفة لقوله " سماعون " وليس بحال من الضمير الذي في " يأتوك " لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا ، والتحريف إنما هو ممن يشهد ويسمع فيحرف . والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم ، ولذلك كان حمل المعنى على " من الذين هادوا " فريق سماعون أشبه " " يقولون " في موضع الحال من المضمر في " يحرفون " " إن أوتيتم هذا فخذوه " أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلى فأقبلوا وإلا فلا .

الثامنة : قوله تعالى : " ومن يرد الله فتنته " أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة " فلن تملك له من الله شيئا " أي فلن تنفعه " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر . ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم ؛ أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم " لهم في الدنيا خزي " قيل : هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم ، ثم أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم وقيل : خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل . والله أعلم .


[5587]:كان ذلك يوم حصارهم، فسألوه ما الأمر؟ وعلام ننزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه بمعنى أنه الذبح.
[5588]:في ج و ع و ك: باليهود.
[5589]:حممه حميا: طلى وجهه بالفحم.
[5590]:القف: علم لواد من أودية المدينة عليه مال لأهلها.
[5591]:المدراس هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان. (اللسان). ومدراس أيضا صاحب دراسة كتبهم.
[5592]:ألظ به النشدة: ألح في سؤاله وألزمه إياها.
[5593]:من ج و هـ و ع.
[5594]:من ع و ك.
[5595]:من ك و ع.
[5596]:من ج و ك و هـ و ع.
[5597]:من ك و ع.
[5598]:من ع و ك.
[5599]:من ع.
[5600]:من ك،ع.
[5601]:راجع ص 88 ص 349 من هذا الجزء.
[5602]:في ع: في رجم.
[5603]:في ك و ع: منفذا لأحكامها.
[5604]:راجع ج 12 ص 306.
[5605]:راجع ج 14 ص 245.
[5606]:راجع ج 17 ص 64 و ص 35.
[5607]:راجع ج 18 ص 53.