التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

قوله : { فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به } عطف على جملة { قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان } . والنسيان هنا بمعنى الإعراض ، كما تقدّم آنفاً في قوله : { وتَنسون ما تشركون } [ الأنعام : 41 ] . وظاهرٌ تفرّع الترك عن قسوة القلوب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم . و ( ما ) موصولة ماصْدَقُها البأساء والضرّاء ، أي لمّا انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم . ومعنى { ذُكِّروا به } أنّ الله ذكّرهم عقابه العظيم بما قدّم إليهم من البأساء والضرّاء . و ( لمَّا ) حرف شرط يدلّ على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه ، وليس فيه معنى السببية مثل بقية أدوات الشرط .

وقوله : { فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء } جواب { لمّا } والفتح ضدّ الغلق ، فالغلق : سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه ، بخلاف إقامة الحائط فلا تسمّى غلقاً .

والفتح : جعْل الشيء الحاجز غيرَ حاجز وقابلاً للحجز ، كالباب حين يفتح . ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها الحاجز ويفتح بها مِفتاحاً ومِغْلاقاً ، وإنّما يعقل الفتح بعد تعقّل الغلق ، ولذلك كان قوله تعالى : { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } مقتضياً أنّ الأبواب المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن أخذوا بالبأساء والضرّاء ، فعلم أنّها أبواب الخير لأنّها التي لا تجتمع مع البأساء والضرّاء .

فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغمّ كقوله : { ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [ الأعراف : 96 ] . ومنه تسمية النصر فتحنا لأنّه إزالة غمّ القهر .

وقد جُعل الإعراض عمَّا ذُكّروا به وقتاً لفتح أبواب الخير ، لأنّ المعنى أنّهم لمّا أعرضوا عن الاتِّعاظ بنُذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب الخير ، كما صُرّح به في قوله تعالى : { وما أرسلنا في قرية من نبّيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } [ الأعراف : 94 ، 95 ] .

وقرأ الجمهور { فتحنا } بتخفيف المثنّاة الفوقية . وقرأه ابن عامر ، وأبو جعفر ورُويس عن يعقوب بتشديدها للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله { أبوابَ كلّ شيء } .

ولفظ ( كلّ ) هنا مستعمل في معنى الكثرة ، كما في قول النابغة :

بها كلّ ذيَّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد

أو استعمل في معناه الحقيقي ؛ على أنَّه عامّ مخصوص ، أي أبواب كل شيء يبتغونه ، وقد علم أنّ المراد بكلّ شيء جميع الأشياء من الخير خاصّة بقرينة قوله : { حتى إذا فرحوا } وبقرينة مقابلة هذا بقوله : { أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء } [ الأعراف : 79 ] ، فهنالك وصف مقدّر ، أي كلّ شيء صالح ، كقوله تعالى : { يأخذ كلّ سفينة غصبا } [ الكهف : 79 ] أي صالحة .

و { حتّى } في قوله : { حتَّى إذا فرحوا } ابتدائية . ومعنى الفرح هنا هو الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم ، كما في قوله تعالى : { إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين } [ القصص : 76 ] . قال الراغب : ولم يرخّص في الفرح إلاّ في قوله تعالى : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } [ يونس : 58 ] . و ( إذا ) ظرف زمان للماضي .

ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلّهم يتذكّرون الله ويوحّدونه فتطهر نفوسهم ، فابتلاهم الله بالضرّ والخير ليستقصي لهم سببي التذكّر والخوف ، لأنّ من النفوس نفوساً تقودها الشدّة ونفوساً يقودها اللين .

ومعنى الأخذ هنا الإهلاك . ولذلك لم يذكر له متعلِّق كما ذكر في قوله آنفاً { فأخذناهم بالبأساء والضرّاء } للدلالة على أنَّه أخذ لا هوادة فيه .

والبغتة فعلة من البغْت وهو الفُجأة ، أي حصول الشيء على غير ترقّب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء . فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية . وهنا يصحّ أن يكون مؤوّلاً باسم الفاعل منصوباً على الحال من الضمير المرفوع ، أي مباغتين لهم ، أو مؤوّلاً باسم المفعول على أنَّه حال من الضمير المنصوب ، أي مبغوتين ، { وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } [ هود : 102 ] .

وقوله : { فإذا هم مبلسون } ( إذا ] فجائية . وهي ظرف مكان عند سيبويه ، وحرف عند نحاة الكوفة .

والمبلسون اليائسون من الخير المتحيّرون ، وهو من الإبلاس ، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأساً من الاستجابة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

قوله تعالى : " فلما نسوا ما ذكروا به " يقال : لم ذموا على النسيان وليس من فعلهم ؟ فالجواب : أن ( نسوا ) بمعنى تركوا ما ذكروا به ، عن ابن عباس وابن جريج ، وهو قول أبي علي ، وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي ، كما يقال : تركه . في النسي . جواب آخر : وهو أنهم تعرضوا للنسيان فجاز الذم لذلك ، كما جاز الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه . " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " أي من النعم والخيرات ، أي كثرنا لهم ذلك . والتقدير عند أهل العربية : فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم . " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا يبيد ، وأنه دال على رضاء الله عز وجل عنهم " أخذناهم بغتة " أي استأصلناهم وسطونا بهم . و( بغتة ) معناه فجأة ، وهي الأخذ على غرة ومن غير تقدم أمارة ، فإذا أخذ لإنسان وهو غار غافل فقد أخذ بغتة ، وأنكى شيء ما يفجأ من البغت . وقد قيل : إن التذكير الذي سلف - فأعرضوا عنه - قام مقام الإمارة . والله أعلم . و( بغتة ) مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم ، فكان ذلك استدراجا من الله تعالى كما قال : " وأملي لهم إن كيدي متين{[6353]} " [ الأعراف : 183 ] نعوذ بالله من سخطه ومكره . قال بعض العلماء : رحم الله عبدا تدبر هذه الآية " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " . وقال محمد بن النضر الحارثي : أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة . وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاؤون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم ) ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به " الآية كلها . وقال الحسن : والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخفف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه . وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها{[6354]} إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه . وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه وسلم : ( إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته ) .

قوله تعالى : " فإذا هم مبلسون " المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال ، قال العجاج :

يا صاح هل تعرف رَسْمًا مكرسا{[6355]} *** قال نعم أعرفه وأبلسا

أي تحير لهول ما رأى ، ومن ذلك اشتق اسم إبليس ، أبلس الرجل سكت ، وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة ، ضبعت الناق تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل .


[6353]:راجع ج 7 ص 329.
[6354]:في ج: في ذلك.
[6355]:المكرس: الذي صار فيه الكرس، والكرس (بالكسر): أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار والدمن. وأبلس: سكت غما.