فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} (44)

{ فلما نسوا ما ذكروا به } أي تركوا ما وعظوا به وأعرضوا عنه لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به إذ ليس هو من فعلهم ، وبه قال ابن عباس وأبو علي الفارسي ، قال ابن جريج : ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم ، والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك { فتحنا } بالتخويف والتشديد سبعيتان { عليهم أبواب كل شيء } أي استدرجناهم بفتح أبواب كل أنواع الخير عليهم ، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام ، قال مجاهد : يعني رخاء الدنيا ويسرها ، ونحوه عن قتادة .

{ حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الخير والرزق على أنواعه والسعة والرخاء والمعيشة والصحة وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقا وصوابا . وهذا فرح بطر وأشر كما فرح قارون لما أوتي من الدنيا { أخذناهم بغتة } وهم غير مترقبين لذلك والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه غيره عند سيبويه .

قال محمد بن النصر الحارثي : أمهلوا عشرين سنة ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع ، وإلا فهو كلام لا طائل تحته ، قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال أهل المعاني : إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال العافية والتصرف في ضروب اللذة فأخذناهم في آمن ما كانوا ، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم .

{ فإذا } هي الفجائية قال سيبويه إنها ظرف مكان ، وقال جماعة منهم الراسي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين أنها حرف { هم مبلسون } أي مهلكون في مكان إقامتهم أو في زمانها قاله السدي ، والمبلس الحزين الآيس من الخير لشدة ما زل به من سوء الحال ومن ذلك اشتق اسم إبليس يقال أبلس الرجل إذا سكت وأبلست الناقة إذا لم ترع .

والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح ، قال ابن زيد : المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه ، والمبلس أشد من المستكين وقال الفراء : هو اليائس المنقطع رجاؤه ، وقال أبو عبيدة : هو النادم الحزين ، والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم .

وعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ) {[690]} ثم تلا يعني هذه الآية ذكره البغوي بلا سند ، وأسنده الطبري وغيره .


[690]:أحمد بن حنبل 4/145.