وقوله : { من حيث لا يحتسب } احتراس لئلا يتوهَّم أحد أن طرق الرزق معطلة عليه فيستبعد ذلك فيمسك عن مراجعة المطلقة لأنه لا يستقبل مالاً ينفق منه ، فأعلمه الله أن هذا الرزق لطف من الله والله أعلم كيف يهيىء له أسباباً غير مرتقبة .
فمعنى { من حيث لا يحتسب } : من مكان لا يحتسب منه الرزق أي لا يظن أنه يرزق منه .
و { حيثُ } مستعملة مجازاً في الأحوال والوجوه تشبيهاً للأحوال بالجهات لأنها لما جعلت مقارنة للرزق أشبهت المكان الذي يَرِد منه الوارد ولذلك كانت { مِن } هنا للابتداء المجازي تبعاً لاستعارة { حيث } . ففي حرف { مِن } استعارة تبعية . وذكر الواحدي في « أسباب النزول » أنها نزلت في شأن عوف بن مالك الأشجعي إذْ أسَرَ المشركون ابنه سالماً فأتى عوف النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه ذلك وأن أمه جزعت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « اتق الله واصبر » وأمره وزوجَه أن يكثرا قولاً : لا حول ولا قوة إلا بالله فغفل المشركون عن الابن فَسَاقَ عنزاً كثيرة من عنز المشركين وجاء بها المدينة فنزلت الآية ، فيجوز أن يكون نزولها في أثناء نزول هذه السورة فصادفت الغرضين ، ويكون ذلك من قبيل معجزات القرآن .
{ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالغ أمره } .
تكملة للتي قبلها فإن تقوى الله سبب تفريج الكُرَب والخَلاص من المضائق ، وملاحظةُ المسلم ذلك ويقينُه بأن الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر الشيطانية التي تثبطه عن التقوى يحقق وعد الله إياه بأن يجعل له مخرجاً ويرزقَه من حيث لا يحتسب .
وَحَسْب : وصف بمعنى كاففٍ . وأصله اسم مصدر أو مصدر .
وجملة { إن الله بالغ أمره } في موضع العلة لجملة { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة فإن الله إذا وعد وعداً فقد أراده وإذا أراد الله أمراً يسَّر أسبابه .
ولعل قوله : { قد جعل الله لكل شيء قدراً } إشارة إلى هذا المعنى ، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمّة فقدّر لذلك أسبابه كما قدّر أسباب الأشياء كلها فلا تشُكّوا في إنجاز وَعده فإنه إذا أراد أمراً يسّر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة .
ومعنى { بالغ أمره } : واصلٌ إلى مراده . والبلوغ مجاز مشهور في الحصول على المراد . والأمر هنا بمعنى الشأن .
وعن عبد الله بن رافع لما نزل قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( أي بعضهم ) : فنحن إذا توكلنا نرسل ما كان لنا ولا نحفظه فنزلت { إن الله بالغ أمره } ، أي فيكم وعليكم اه .
وقرأ الجمهور { بالغٌ } بالتنوين و { أمرَه } بالنصب . وقرأه حفص عن عاصم { بالغُ أمرهِ } بإضافة { بالغ } إلى { أمره } .
{ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَىْءٍ قدرا } .
لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض كما نبهت عليه في مواقع سلفت . فهذه الجملة لها موْقع الاستئناف البياني ناشىء عما اشتملت عليه جمل { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } ، إلى قوله : { إن الله بالغ أمره } لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله بما تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحْواله ، أو يتردد يقينه فيقول : أين أنا من تحصيل هذا ، حين يُتبع نظره فيرى بَوْنا عن حصول الموعود بسبب انعدام وسائله لديه فيتملكه اليأس .
فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد تذكيراً بأن الله علم مواعيده وهيأ لها مقادير حصولها لأنه جعل لكل شيء قدراً .
ولها موقع التعليل لجملة { وأحصوا العدة } [ الطلاق : 1 ] فإن العِدة من الأشياء فلما أمر الله بإحصاء أمرها عَلّل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله ، فلا يسوغ التهاون فيه .
ولهذا موقع التذييل لجملة { وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } [ الطلاق : 1 ] ، أي الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكل شيء قدراً لا يعدوه كما جعل الحدود .
ولها موقع التعليل لجملة { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } ، لأن المعنى إذا بلغن القَدْر الذي جعله الله لمدة العدة فقد حصل المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } [ الطلاق : 1 ] فالمعنى : فإن لم يُحدث الله أمر المراجعة فقد رفق بكم وحطّ عنكم امتداد العدة .
ولها موقع التعليل لجملة { وأقيموا الشهادة لله } فإن الله جعل الشهادة قدراً لرفع النزاع .
فهذه الجملة جُزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة .
ومعنى { لكل شيء } لكل موجود ، أي لكل حادث فالشيء الموجود سواء كان ذاتاً أو معنى من المعاني قال تعالى : { وكل شيء فعلوه في الزبر } [ القمر : 52 ] . فعموم قوله : { لكل شيء } صريح في أن ما وعد الله به يَجعل له حين تكوينه قَدْراً .
قال الراغب في « مفرداته » : وذلك أن فعل الله ضربان : ضرب أوجده بالفعل ، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملاً دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يغنيه أو يبدله كالسماوات وما فيها . ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءَه بالصلاحية وقدَّره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون أن ينبت منها تفاح أو زيتون .
وتقديره نطفة الإِنسان لأن يكون منها إنسان دون حيوان آخر . فتقدير الله على وجهين : أحدهما بالحُكم منه أن يَكون كذا أو لا يكون ، كذا إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الإِمكان . وعلى ذلك قوله : { قد جعل الله لكل شيء قدراً } . والثاني بإعطاء القدرة عليه ، وعلى ذلك قوله : { فقدرنا فنعم القادرون } [ المرسلات : 23 ] أو يكون من قبيل قوله : { قد جعل الله لكل شيء قدراً } اه .
والقَدْر : مصدر قَدَره المتعدي إلى مفعول بتخفيف الدال الذي معناه وَضع فيه بمقدار كمية ذاتيةً أو معنوية تُجعل على حسب ما يتحمله المفعول . فقَدر كلّ مفعولٍ لفعل قَدَرَ ما تتحمله طاقته واستطاعتُه من أعمال ، أو تتحمله مساحته من أشياء أو يتحمله وَعْيه لما يَكُدُّ به ذهنه من مدارك وأفهام . ومن فروع هذا المعنى ما في قوله تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } في سورة [ البقرة : 286 ] . وقوله هنا : { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } [ الطلاق : 7 ] .
ومن جزئيات معنى القَدْر ما يسمى التقدير : مصدر قَدَّر المضاعف إذا جَعَل شيئاً أو أشياء على مقدار معين مناسب لما جُعل لأجله كقوله تعالى : { وقدر في السرد } في سورة [ سبأ : 11 ]
" ويرزقه من حيث لا يحتسب " من حيث لا يرجو . وقال ابن عيينة : هو البركة في الرزق . وقال أبو سعيد الخدري : ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له . وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم . وقال أبو ذر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنى لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم - ثم تلا - " ومن يق الله يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب " ) . فما زال يكررها ويعيدها .
وقال ابن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " ومن يتق الله يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب " قال : ( مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة ) . وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي : إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي . روي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن ابني أسره العدو وجزعت الأم . وعن جابر بن عبدالله : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم ، فما تأمرني ؟ فقال عليه السلام : ( اتق الله واصبر وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ) . فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله . فقالت : نعم ما أمرنا به . فجعلا يقولان ، فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه ، وهي أربعة آلاف شاة . فنزلت الآية ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له . في رواية : أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو وكان فقيرا . قال الكلبي : أصاب خمسين بعيرا . وفي رواية : فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ، ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه . وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني ؟ قال : ( نعم ) . ونزلت : " ومن يتق الله يجعل له مخرجا . ويرزقه من حيث لا يحتسب " . فروي الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب . ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ) . وقال الزجاج : أي إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر على أهله ، فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب . وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ) .
قوله تعالى : " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه . وقيل : أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه ، فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية . ولم يرد الدنيا ؛ لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل . " إن الله بالغ أمره " قال مسروق{[15087]} : أي قاض{[15088]} أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه فيكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا . وقراءة العامة " بالغ " منونا . " أمره " نصبا . وقرأ عاصم " بالغ أمره " بالإضافة وحذف التنوين استخفافا . وقرأ المفضل " بالغا أمره " على أن قوله : " قد جعل الله " خبر " إن " و " بالغا " حال . وقرأ داود بن أبي هند " بالغ أمره " بالتنوين ورفع الراء . قال الفراء : أي أمره بالغ . وقيل : " أمره " مرتفع " ببالغ " والمفعول محذوف ، والتقدير : بالغ أمره ما أراد . " قد جعل الله لكل شيء قدرا " أي لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه . وقيل تقديرا . وقال السدي : هو قدر الحيض في الأجل والعدة . وقال عبدالله بن رافع : لما نزل قوله تعالى : " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه ، فنزلت : " إن الله بالغ أمره " فيكم وعليكم . وقال الربيع بن خيثم : إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه ، ومن أقرضه جازاه ، ومن وثق به نجاه ، ومن دعاه أجاب له . وتصديق ذلك في كتاب الله : " ومن يؤمن بالله يهد قلبه{[15089]} " [ التغابن : 11 ] . " ومن يتوكل على الله فهو حسبه{[15090]} " [ الطلاق : 3 ] . " إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم{[15091]} " [ التغابن : 17 ] . " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم{[15092]} " [ آل عمران : 101 ] . " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[15093]} " [ البقرة : 186 ] .