{ يا أيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله }
استئناف ابتدائي لتنبيه المسلمين على نقائص أهل الكتاب ، تحقيراً لهم في نفوسهم ، ليكونوا أشدّاء عليهم في معاملتهم ، فبعد أن ذكر تأليه عامتهم لأفاضل من أحبارهم ورهبانهم المتقدّمين : مثل عُزير ، بين للمسلمين أنّ كثيراً من الأحبار والرهبان المتأخّرين ليسوا على حال كمال ، ولا يستحقّون المقام الديني الذي ينتحلونه ، والمقصود من هذا التنبيه أن يعلم المسلمون تمالىء الخاصّة والعامّة من أهل الكتاب ، على الضلال وعلى مناواة الإسلام ، وأنّ غرضهم من ذلك حبّ الخاصة الاستيثار بالسيادة ، وحبّ العامّة الاستيثار بالمزية بين العرب .
وافتتاح الجملة بالنداء واقترَانها بحرفي التأكيد ، للاهتمام بمضمونها ورفع احتمال المبالغة فيه لغرابته .
وتقدّم ذكر الأحبار والرهبان آنفاً .
وأسند الحكم إلى كثير منهم دون جميعهم لأنّهم لم يخلوا من وجود الصالحين فيهم مثل عبد الله بن سلاَم ومُخَيْرِيق .
والباطل ضدّ الحقّ ، أي يأكلون أموال الناس أكلاً ملابساً للباطل ، أي أكلاً لا مبرّر له ، وإطلاق الأكل على أخذ مال الغير إطلاق شائع قال تعالى : { وتأكلون التراث أكلا لما } [ الفجر : 19 ] وقال { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } في سورة البقرة ( 188 ) وقد تقدّم ، وكذلك الباطل تقدّم هنالك .
والباطل يشمل وجوها كثيرة ، منها تغيير الأحكام الدينية لموافقة أهواء الناس ، ومنها القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحبِ الحقّ حقّه المعين له في الشريعة ، ومنها جحد الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم ، ومنها أكل أموال اليتامى ، وأموال الأوقاف والصدقات .
وسبيل الله طريقهُ استعير لدينه الموصّل إليه ، أي إلى رضاه ، والصدّ عن سبيل الله الإعراض عن متابعة الدين الحقّ في خاصّة النفس ، وإغراءُ الناس بالإعراض عن ذلك . فيكون هذا بالنسبة لأحكام دينهم إذ يغيرون العمل بها ، ويضلّلون العامّة في حقيقتها حتّى يعملوا بخلافها ، وهم يحسبون أنّهم متّبعون لدينهم ، ويكون ذلك أيضاً بالنسبة إلى دين الإسلام إذ ينكرون نبوءة محمد ويعلِّمون أتباع ملّتهم أنّ الإسلام ليس بدين الحقّ .
والأجل ما في الصدّ من معنى صدّ الفاعل نفسَه أتت صيغة مضارعهِ بضمّ العين : اعتباراً بأنّه مضاعف متعدّ ، ولذلك لم يجيء في القرآن إلاّ مضموم الصاد ولو في المواضع التي لا يراد فيها أنّه يصدّ غيره ، وتقدّم ذكر شيء من هذا عند قوله تعالى : { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً } في سورة الأعراف ( 45 ) .
{ والذين يكنزون الذهب والفضة ثم لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم }
جملة معطوفة على جملة { يأيها الذين آمنوا إن كثيراً } والمناسبة بين الجمْلتين : أنّ كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضَعُهم الناس في مقامات الرفعة والسؤدد وليسوا أهلاً لذلك ، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم ، وكانوا منطوين على خبائث خفيّة ، ومضمون الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم ، فبين الله أنّ تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل الله لا تغني عنهم شيئاً من العذاب .
وأمّا وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة : فذلك أنّ هذه السورة نزلت إثر غزوة تبوك ، وكانت غزوة تبوك في وقت عُسرة ، وكانت الحاجة إلى العُدّةِ والظهر كثيرة ، كما أشارت إليه آية { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون } [ التوبة : 92 ] وقد ورد في « السيرة » أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله ، وقد أنفق عثمان بن عفان ألفَ دينار ذهباً على جيش غزوة تبوك وحَمَل كثيرٌ من أهل الغنى فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } ولا شكّ أنّهم من المنافقين .
والكَنز بفتح الكاف مصدر كنز إذا ادّخر مالاً ، ويطلق على المال من الذهب والفضة الذي يُخزن ، من إطلاق المصدر على المفعول كالخَلْق بِمعنى المخلوق .
و { سبيل الله } هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا .
فالموصول مراد به قوم معهودون يَعرِفون أنّهم المراد من الوعيد ، ويعرفهم المسلمون فلذلك لم يثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنبَ قوماً بأعيانهم .
ومعنى { ولا ينفقونها في سبيل الله } انتفاء الإنفاق الواجب ، وهو الصدقات الواجبة والنفقاتُ الواجبة : إمّا وجوباً مستمرّاً كالزكاة ، وإمّا وجوباً عارضاً كالنفقة في الحجّ الواجبِ ، والنفقة في نوائب المسلمين ممّا يدعو الناسَ إليه وُلاَةُ العدل .
والضمير المؤنّث في قوله : { ينفقونها } عائد إلى الذهب والفضة .
والوعيد منوط بالكَنز وعدمِ الإنفاق ، فليس الكنز وحْده بمتوعد عليه ، وليست الآية في معرض أحكام ادّخار المال ، وفي معرض إيجاب الإنفاق ، ولا هي في تعيين سبل البرّ والمعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال ، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تُؤدّ زكاته حين وجوبها ، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة ، ولا إلى تأويل { سبيل الله } بالصدقات الواجبة ، لأنّه ليس المراد باسم الموصول العموم بل أريد به العهد ، فلا حاجة إلى ادّعاء أنّها نسختها آية وجوب الزكاة ، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية .
ووقع في « الموطأ » أنّ عبد الله بن عُمر سئل عن الكنز ، أي المذموم المتوعّد عليه في آية { والذين يكنزون الذهب والفضة } الآيةِ ما هو ؟ فقال : هو المال الذي لا تؤدَّى منه الزكاة . وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان عنده مال لم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زَبيبَتَان يُطَوَّقه ثم يأخذ بلَهْزَمَتَيْهِ يعني شِدْقيه ثم يقول : أنا مالك أنا كَنزُك " فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه ، أي فهو الكنز المذموم في الكتاب والسنّة وليس كلّ كنز مذموماً .
وشذّ أبو ذرّ فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز ، وعلى عموم الإنفاق ، وحَمَل سبيل الله على وجوه البرّ ، فقال بتحريم كَنز المال ، وكأنّه تأول { ولا ينفقونها } على معنى ما يسمّى عطف التفسير ، أي على معنى العطف لمجرّد القرن بين اللفظين ، فكان أبو ذرّ بالشام ينهى الناس على الكنز ويقول : بشّر الكانزين بمكاو من نار تكْوَى بها جباههم وجُنوبهم وظهورهم ، فقال له معاوية : وهو أمير الشام ، في خلافة عثمان : إنّما نزلت الآية في أهل الكتاب ، فقال أبو ذرّ : نزلت فيهم وفينا ، واشتدّ قول أبي ذرّ على الناس ورأوه قولاً لم يقله أحد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاويةُ إلى عثمان ، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذَر الفتنةَ في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله .
والفاء في قوله : { فبشرهم } داخلة على خبر الموصول ، لتنزيل الموصول منزلة الشرط ، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر ، فضمير الجمع عائد إلى { الذين } ويجوز كون الضمير عائداً إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون . والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أنْ ذَكَر آكلي الأموال الصادّين عن سبيل الله وذكَر الكانزين ، أمر رسوله بأن يُنذر جميعهم بالعذاب ، فدلّت الفاء على شرط محذوف تقديره : إذا علمتَ أحوالهم هذه فبشّرهم ، والتبشير مستعار للوعيد على طَريقة التهكّم .
الأولى - قوله تعالى : " ليأكلون أموال الناس بالباطل " دخلت اللام على يفعل ، ولا تدخل على فعل لمضارعة يفعل الأسماء . والأحبار علماء اليهود . والرهبان مجتهدو النصارى في العبادة . " بالباطل " قيل : إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك ، مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى ، وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال ، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه ، ذكره ابن إسحاق في السير . وقيل : كانوا يأخذون من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع . وقيل : كانوا يرتشون في الأحكام ، كما يفعله اليوم كثير من الولاة والحكام . وقوله : " بالباطل " يجمع ذلك كله . " ويصدون عن سبيل الله " أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الإسلام ، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم .
الثانية - قوله تعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة " الكنز أصله في اللغة الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب والفضة . ألا ترى قوله عليه السلام : ( ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة ) . أي يضمه لنفسه ويجمعه . قال :
ولم تزوّد من جميع الكنز*** غير خيوط وَرَثِيث{[7948]} بَزِّ
لا درَّ درّي إن أطعمت جائعهم*** قِرْف الحَتيِّ وعندي البُرُّ مكنوزُ
قرف الحتي هو سويق المقل{[7949]} . يقول : إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل ، وهو الحتي ، فلما نزلوا به قال هو : لا در دري . . . البيت . وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه ، بخلاف سائر الأموال . قال الطبري : الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها . وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ، والفضة لأنها تنفض فتتفرق ، ومنه قوله تعالى : " انفضوا إليها{[7950]} " [ الجمعة : 11 ] - " لانفضوا من حولك{[7951]} " [ آل عمران : 159 ] وقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " .
الثالثة - واختلف الصحابة في{[7952]} المراد بهذه الآية ، فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب وإليه ذهب الأصم لأن قوله : " والذين يكنزون " مذكور بعد قوله : " إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال لناس بالباطل " . وقال أبو ذر وغيره : المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين . وهو الصحيح ، لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال : ويكنزون ، بغير والذين . فلما قال : " والذين " فقد استأنف معنى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة . فالذين يكنزون كلام مستأنف ، وهو رفع على الابتداء . قال السدي : عنى أهل القبلة . فهذه ثلاثة أقوال . وعلى قول الصحابة فيه دليل على أن الكفار عندهم مخاطبون بفروع الشريعة . روى البخاري عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة{[7953]} فإذا أنا بأبي ذر فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " ؛ فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب . فقلت : نزلت فينا وفيهم ، وكان بيني وبينه في ذلك . فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة ، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا ، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت .
الرابعة - قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية زكاة العين ، وهي تجب بأربعة شروط : حرية ، وإسلام ، وحول ، ونصاب سليم من الدين . والنصاب مائتا درهم أو عشرون دينارا . أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر وأخرج ربع العشر من هذا وربع العشر من هذا . وإنما قلنا إن الحرية شرط ؛ فلأن العبد ناقص الملك . وإنما قلنا إن الإسلام شرط ، فلأن الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة ، ولأن الله تعالى قال : " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة{[7954]} " [ البقرة :43 ] ، فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة . وإنما قلنا إن الحول شرط ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ) . وإنما قلنا إن النصاب شرط ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في أقل من مائتي درهم زكاة ، وليس في أقل من عشرين دينارا زكاة ) . ولا يراعى كمال النصاب في أول الحول ، وإنما يراعى عند آخر الحول ، لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل . يدل على هذا أن من كانت معه مائتا درهم فتجر فيها فصارت آخر الحول ألفا أنه يؤدي زكاة الألف ، ولا يستأنف للربح حولا . فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح ، كان صادرا عن نصاب أو دونه . وكذلك اتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم ، فتوالدت له رأس الحول ثم ماتت الأمهات إلا واحدة منها ، وكانت السخال تتمة النصاب فإن الزكاة تخرج عنها .
الخامسة - واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا ؟ فقال قوم : نعم . ورواه أبو الضحاك عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه ، قال علي : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته ، ولا يصح . وقال قوم : ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز . قال ابن عمر : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض . ومثله عن جابر ، وهو الصحيح . وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا - " ولا يحسبن الذين يبخلون{[7955]} " [ آل عمران : 180 ] الآية . وفيه أيضا عن أبي ذر ، قال : انتهيت إليه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - قال : ( والذي نفسي بيده - أو والذي لا إله غيره أو كما حلف - ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ) . فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا . وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا المعنى ، قال له أعرابي : أخبرني عن قول الله تعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة " قال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال . وقيل : الكنز ما فضل عن الحاجة . روى عن أبي ذر ، وهو مما نقل من مذهبه ، وهو من شدائده ومما انفرد به رضي الله عنه .
قلت : ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا ، ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم ، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم ، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم ، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة ، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت . فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار ولم يوجب الكل واعتبر مدة الاستنماء ، فكان ذلك منه بيانا صلى الله عليه وسلم . وقيل : الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة ، كفك الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك . وقيل : الكنز لغة المجموع من النقدين ، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس . وقيل : المجموع منهما ما لم يكن حليا ، لأن الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه . والصحيح ما بدأنا بذكره ، وأن ذلك كله يسمى كنزا لغة وشرعا . والله أعلم .
السادسة - واختلف العلماء في زكاة الحلي ، فذهب مالك وأصحابه وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه . وهو قول الشافعي بالعراق ، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال : أستخير الله فيه . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي : في ذلك كله الزكاة . احتج الأولون فقالوا : قصد النماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحل لإيجاب الزكاة ، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا للقنية{[7956]} يسقط الزكاة . احتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين ولم يفرق بين حلي وغيره . وفرق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صنع حليا ليفر به من الزكاة وأسقطها فيما كان منه يلبس ويعار وفي المذهب في الحلي تفصيل بيانه في كتب الفروع .
السابعة - روى أبو داود عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية " والذين يكنزون الذهب والفضة " قال : كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم فانطلق فقال : يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية . فقال : ( إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث - وذكر{[7957]} كلمة - لتكون لمن بعدكم ) قال : فكبّر عمر . ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته ) . وروى الترمذي وغيره عن ثوبان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة ، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه . فقال عمر : أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله فقال : ( لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المرء على دينه ) . قال حديث حسن .
الثامنة - قوله تعالى : " ولا ينفقونها في سبيل الله " ولم يقل ينفقونهما ، ففيه أجوبة ستة : الأول : قال ابن الأنباري : قصد الأغلب والأعم وهي الفضة ، ومثله قوله : " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة{[7958]} " [ البقرة : 45 ] رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم . ومثله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انقضوا إليها{[7959]} " [ الجمعة : 11 ] فأعاد الهاء إلى التجارة لأنها الأهم وترك اللهو . قاله كثير من المفسرين . وأباه بعضهم وقال : لا يشبهها ، لأن " أو " قد فصلت التجارة من اللهو فحسن عود الضمير على أحدهما .
الثاني : العكس وهو أن يكون " ينفقونها " للذهب والثاني معطوفا عليه . والذهب تؤنثه العرب تقول : هي الذهب الحمراء . وقد تذكر والتأنيث أشهر .
الثالث : أن يكون الضمير للكنوز .
الخامس : للزكاة التقدير ولا ينفقون زكاة الأموال المكنوزة .
السادس : الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فهم المعنى ، وهذا كثير في كلام العرب . أنشد سيبويه :
نحن بما عندنا وأنت بما*** عندك راض والرأي مختلف{[7960]}
ولم يقل راضون . وقال آخر{[7961]} .
رماني بأمر كنت منه ووالدي*** بريئا ومن أجل الطَّوِيِّ رماني
ولم يقل بريئين . ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
إن شرخ الشباب والشعر الأس***ود ما لم يعاص كان جنونا
التاسعة - إن قيل : من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي ، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله . قيل له : إن ذلك أشد ، فإن من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين : بالإنفاق والتناول ، كشراء الخمر وشربها . بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى ، كمن أعان على ظلم مسلم من قتله أو أخذ ماله إلى غير ذلك . والكانز عصى من جهتين ، وهما منع الزكاة وحبس المال لا غير . وقد لا يراعى حبس المال ، والله أعلم .
العاشرة - قوله تعالى : " فبشرهم بعذاب أليم " قد تقدم معناه . وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله : ( بشر الكنازين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم ) الحديث . أخرجه مسلم . رواه أبو ذر في رواية : ( بشر الكنازين برضف{[7962]} يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض{[7963]} كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه فيتزلزل ) الحديث . قال علماؤنا : فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرج بالكثرة في المال والسرور في الدنيا ، فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب .
الحادية عشرة - قال علماؤنا : ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرض للواجب وغيره ، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة ، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك ، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا ، فلذلك خص الوعيد به . والله أعلم .