الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي - السيوطي  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار } يعني علماء اليهود { والرهبان } علماء النصارى { ليأكلون أموال الناس بالباطل } والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله تعالى فأكلوا بها الناس ، وذلك قول الله تعالى { الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } [ البقرة : 79 ] .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال : أما الأحبار فمن اليهود ، وأما الرهبان فمن النصارى ، وأما سبيل الله فمحمد صلى الله عليه وسلم .

وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عباس رضي الله عنه قال : اتبعوا عالم الآخرة ، واحذروا عالم الدنيا لا يضركم بشكره ، ثم تلا هذه الآية { إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله } .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة . . . } الآية . قال : هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم ، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز ، وكل مال أدي زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما أدي زكاته فليس بكنز .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً . مثله .

وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أي مال أديت زكاته فليس بكنز » وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه موقوفاً .

وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما في الآية قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال ، ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً اعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعد بن أبي سعيد رضي الله عنه . أن رجلاً باع داراً على عهد عمر رضي الله عنه فقال له عمر : احرز ثمنها احفر تحت فراش امرأتك . فقال : يا أمير المؤمنين أو ليس كنز ؟ قال : ليس بكنز ما أدي زكاته .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي « عن أم سلمة رضي الله عنها «أنها قالت : يا رسول الله إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة أفكنز هو ؟ قال : كل شيء تؤدى زكاته فليس بكنز » .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ثوبان رضي الله عنه قال : « لما نزلت { والذين يكنزون الذهب والفضة } كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال له أصحابه : لو علمنا أي المال خير فنتخذه . فقال « أفضله لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه . وفي لفظ : تعينه على أمر الآخرة » .

وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية { والذين يكنزون الذهب والفضة } ، كبر ذلك على المسلمين وقالوا : ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده . فقال عمر رضي الله عنه : أنا أفرج عنكم . فانطلق عمر رضي الله عنه واتبعه ثوبان رضي الله عنه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية . فقال « إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم . فكبر عمر رضي الله عنه ، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته » .

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته .

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : « لما نزلت { والذين يكنزون الذهب والفضة . . . } الآية . قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل اليوم في الكنز ما نزل . . . ! فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ماذا نكنز اليوم ؟ قال«لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً ، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه » .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : إذا أخرجت صدقة كنزك فقد أذهبت شره وليس بكنز .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال : هم أهل الكتاب ، وقال : هي خاصة وعامة .

وأخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر . أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال لهم أبي رضي الله عنه : لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي . فألحقوها .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال : هؤلاء أهل القبلة .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما . أنهما قالا : في قول الله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قالا : نسختها الآية الأخرى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [ التوبة : 103 ] .