النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (34)

قوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُون أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } الآية . في قولان :

أحدهما : أنه أخذ الرشا في الحكم ، قاله الحسن .

والثاني : أنه على العموم من أخذه بكل وجه محرم .

وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون ، وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل ، كما قال الشاعر :

ذر الآكلين الماء فما أرى *** ينالون خيراً بعد أكلهم الماء

أي ثمن الماء .

{ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } يحتمل وجهين :

أحدهما : أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا .

والثاني : أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم . { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ{[1228]} وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل :

أحدها : أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته ، سواء كان مدفوناً أو غير مدفون ، قاله ابن عمر والسدي والشافعي والطبري .

والثاني : أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم ، أديت منه الزكاة أم لم تؤد ، قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز .

والثالث : أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه . روى عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال : لما نزل قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ . . . } الآية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تبّاً لِلذَهَبِ وَالْفِضَّةِ " قال : فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال عمر ابن الخطاب : أنا أعلم لكم ذلك ، فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال : " لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِه " . وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة{[1229]} صدي بن عجلان قال : مات رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزره دينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كَيَّةٌ " {[1230]} ، ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كَيَّتَانِ " {[1231]} .

والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض ، سواء كان ظاهراً على الأرض أو مدفوناً فيها ، ومنه كنز البُرّ ، قال الشاعر :

لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم *** قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز

[ قرف ] الحتى : سَويق المقل{[1232]} . يعني وعندي البُرّ مجموع .

فإن قيل : فقد قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } فذكر جنسين ، ثم قال { وَلاَ يُنفِقُونَهَا } والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد ، ولم يقل : وَلاَ يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما .

فعن ذلك جوابان :

أحدهما : أن الكناية راجعة إلى الكنوز ، وتقديره : ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله .

والثاني : أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على اشتراكهما فيه ، كما قال تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً }[ الجمعة : 11 ] ولم يقل إليهما ، وكقول الشاعر{[1233]} :

إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناًولم يقل يعاصيا .

ثم إن الله تعالى غلَّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا .


[1228]:رواه ابن ماجه وأحمد، وأبو نعيم في الحلية.
[1229]:هكذا في الأصول، والذي في سيرة ابن هشام أن أبا أمامة الباهلي هو أسعد بن زرارة أحد النقباء. وقد ورد هذا الحديث عنه في تفسير القرطبي (8/131) وفيه "فوجد في بردته" بدل مئزره. وقد أسند الطبري هذا الحديث إلى أبي أمامه الباهلي.
[1230]:في ق "كنز". ومنها أيضا "كنزان" وهو تحريف.
[1231]:في ق "كنز". ومنها أيضا "كنزان" وهو تحريف.
[1232]:المقل: ثمر شجر الدوم ينضج ويؤكل. يريد الشاعر أنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل وهو الحتى، فلما نزلوا به قال هو: لادر دري. البيت.
[1233]:هو حسان بن ثابت.