التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (5)

{ تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } .

جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة { وهو العلي العظيم } [ الشورى : 4 ] ولذلك لم تعطف عليها ، أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدّة تسخرهن فيما يسخرهُن الله له من عمل لا يخالف ما قدّره الله لهنّ ، وأيضاً قد قيل : إن المعنى : يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب وتصاريف الأقدار ، فيكون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " أطَّتتِ السماء وبِحَقها أن تَئطّ . والذي نفسُ محمّد بيده ما فيها موضع شِبر إلا فيه جبهة مَلَك ساجد يسبح الله بحمده " {[367]} ويرجّحه تعقيبه بقوله تعالى : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } كما سيأتي .

وقرأ نافع وحده والكسَائِي { يكاد } بتحتية في أوّله . وقرأه الباقون بفوقية وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غيرِ المذكر السالم وخاصة مع عدم التأنيث الحقيقي . وتقدم في سورة مريم ( 90 ) قوله : { يكاد السماوات يتفَطَّرْنَ منه } . وقرأ الجمهور { يتفطرن } بتحتية ثم فوقية وأصله مضارع التفطر ، وهو مطاوع التفطير الذي هو تكرير الشقّ . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بِتَحتيّة ثم نون وهو مضارع : انفطَر ، مطاوع الفطر مصدر فطَر الثلاثي ، إذا شَقَّ ، وليس المقصود منه على القراءتين قبول أثر الفاعل إذ لا فاعل هنا للشقّ وإنّما المقصود الخبر بحصول الفعل ، وهذا كثير ، كقولهم : انشقّ ضوء الفجر ، فلا التفات هنا لما يقصد غالباً في مادة التفعل من تكرير الفعل إذ لا فاعل للشقّ هنا ولا لتكرره ، فاستوت القراءتان في باب البلاغة ، على أنّ استعمال صيغ المطاوعة في اللّغة ذو أنحاء كثيرة واعتبارات كما نبه عليه كلام الرضيّ في « شرح الشافية » .

وقوله : { من فوقهن } يجوز أن يكون ضمير { فوقهن } عائداً على { السماوات } ، فيكون المجرور متعلقاً بفعل { يتفطرن } بمعنى : أن انشقاقهن يحصل من أعلاهنّ ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشقّ أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى ، كما قيل في قوله تعالى : { وهي خاوية على عروشها } كما تقدم في سورة البقرة ( 259 ) وفي سورة الحج ( 45 ) . وتكون { من } ابتدائيّة .

ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى { الأرض } من قوله تعالى : { وما في الأرض } [ الشورى : 4 ] على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب { واسْأل القرية } [ يوسف : 82 ] .

وتكون { من } زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية ، فيفيد الظرف استحضار حالة التفطر وحالة موقعه ، وقد شبه انشقاق السماء بانشقاق الوَردة في قوله تعالى : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدِّهان } [ الرحمن : 37 ] . والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح بُرْعُومُها فيوشك إنْ هُن تفطَّرْنَ أن يخْررْنَ على الأرض ، أي يكاد يقع ذلك لِما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إِدًّا يكاد السماوات يتفطَّرْنَ منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً } [ مريم : 88 90 ] ويرجحه قوله الآتي : { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم } [ الشورى : 6 ] . وعن ابن عباس { يكاد السماوات يتفطَّرن } من قول المشركين { اتخذ الله ولداً } [ البقرة : 116 ] .

{ والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الارض أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم } .

جملة عطفت على جملة { يكاد السماوات يتفطرن } لإفادتها تقرير معنى عظمة الله تعالى وجلاله المدلول عليهما بقوله : { وهو العلي العظيم } [ الشورى : 4 ] .

مرتبة واجب الوجود سبحانه وهو أهل التنزيه والحمد ومرتبة الروحانيات وهي الملائكة وهي واسطة المتصرف القدير ومفيض الخير في تنفيذ أمره من تكوين وهدى وإفاضة خير على النّاس ، فهي حين تتلقى من الله أوامره تسبِّحُه وتحمده ، وحين تفيض خيرات ربّها على عباده تستغفر للذين يتقبلونها تقبل العبيد المؤمنين بربّهم ، وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها ، وذلك بتأثيرها في نظم أحوال العالم الإنساني . ومرتبة البشرية المفضلة بالعقل إذ أكمله الإيمانُ وهي المراد ب ( من في الأرض ) .


[367]:- أخرجه ابن مردويه عن أنس وهو حديث حسن.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (5)

ثم يعرض مظهراً لخلوص الملكية لله في الكون ، وللعلو والعظمة كذلك . يتمثل في حركة السماوات تكاد تتفطر من روعة العظمة التي تستشعرها لربها ، ومن زيغ بعض من فى الأرض عنها . كما يتمثل في حركة الملائكة يسبحون بحمد ربهم ، ويستغفرون لأهل الأرض من انحرافهم وتطاولهم :

والسماوات هي هذه الخلائق الضخمة الهائلة التي نراها تعلونا حيثما كنا على ظهر هذه الأرض ، والتي لا نعلم إلا أشياء قليلة عن جانب منها صغير . وقد عرفنا حتى اليوم أن بعض ما في السماوات نحو من مئة ألف مليون مجموعة من الشموس . في كل منها نحو مئة ألف مليون شمس كشمسنا هذه ، التي مبلغ حجمها أكثر من مليون ضعف من حجم أرضنا الصغيرة ! وهذه المجموعات من الشموس التي أمكن لنا - نحن البشر - أن نرصدها بمراصدنا الصغيرة ، متناثرة في فضاء السماء مبعثرة ، وبينها مسافات شاسعة تحسب بمئات الألوف والملايين من السنوات الضوئية . أي المحسوبة بسرعة الضوء ، التي تبلغ 168 . 000 ميل في الثانية !

هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطرن من فوقهن . . من خشية الله وعظمته وعلوه ، وإشفاقاً من انحراف بعض أهل الأرض ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسها ضمير الكون ، فيرتعش ، وينتفض ، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه !

( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) . .

والملائكة أهل طاعة مطلقة ، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة . ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم ، لما يحسون من علوه وعظمته ، ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته . ذلك بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف ينكرون وينحرفون ؛ فيشفق الملائكة من غضب الله ؛ ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير . ويجوز أن يكون المقصود هو استغفار الملائكة للذين آمنوا ، كالذى جاء فى سورة غافر : ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ) . . وفي هذه الحالة يبدو : كم يشفق الملائكة من أية معصية تقع في الأرض ، حتى من الذين آمنوا ، وكم يرتاعون لها ، فيستغفرون ربهم وهم يسبحون بحمده استشعاراً لعلوه وعظمته ؛ واستهوالاً لأية معصية تقع في ملكه ؛ واستدرارا لمغفرته ورحمته ؛ وطمعاً فيهما :

( ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) . .

فيجمع إلى العزة والحكمة ، العلو والعظمة ، ثم المغفرة والرحمة . . ويعرف العباد ربهم بشتى صفاته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} (5)

قوله تعالى : " تكاد السماوات " قراءة العامة بالتاء . وقرأ نافع وابن وثاب والكسائي بالياء . " يتفطرن " قرأ نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء ، وهي قراءة العامة . وقرأ أبو عمرو وأبو بكر والمفضل وأبو عبيد " ينفطرن " من الانفطار ، كقوله تعالى : " إذا السماء انفطرت " [ الانفطار : 1 ] وقد مضى في سورة " مريم " بيان هذا{[13461]} . وقال ابن عباس : " تكاد السماوات يتفطرن " أي تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها ، من قول المشركين : " اتخذ الله ولدا " {[13462]} [ البقرة : 116 ] . وقال الضحاك والسدي : " يتفطرن " أي يتشقق من عظمة الله وجلاله فوقهن . وقيل : " فوقهن " : فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما يعقل .

قوله تعالى : " والملائكة يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهونه عما لا يجوز في وصفه ، وما لا يليق بجلال . وقيل : يتعجبون من جرأة المشركين ، فيذكر التسبيح في موضع التعجب . وعن علي رضي الله عنه : أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرضهم لسخط الله . وقال ابن عباس : تسبيحهم خضوع لما يرون من عظمة الله . ومعنى " بحمد ربه " : بأمر ربهم ، قاله السدي . " ويستغفرون لمن في الأرض " قال الضحاك : لمن في الأرض من المؤمنين . وقاله السدي . بيانه في سورة غافر : " ويستغفرون للذين آمنوا " {[13463]} [ غافر : 7 ] . وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش . وقيل : جميع ملائكة السماء ، وهو الظاهر من قول الكلبي . وقال وهب بن منبه : هو منسوخ بقوله : " ويستغفرون للذين آمنوا " . قال المهدوي : والصحيح أنه ليس بمنسوخ ؛ لأنه خبر ، وهو خاص للمؤمنين . وقال أبو الحسن الماوردي عن الكلبي : إن الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم ، فافتتنا بالزهرة وهربا إلى إدريس - وهو جد أبي نوح عليهما السلام - وسألاه أن يدعو لهما ، سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم . قال أبو الحسن بن الحصار : وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت ، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن ، وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة ، ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض . الماوردي : وفي استغفارهم لهم قولان : أحدهما : من الذنوب والخطايا ، وهو ظاهر قول مقاتل . الثاني : أنه طلب الرزق لهم والسعه عليهم . قاله الكلبي .

قلت : وهو أظهر ، لأن الأرض تعم الكافر وغيره ، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر . وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال : إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة : صوت معروف من آدمي ضعيف ، كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء ، فيستغفرون له . فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء . قالت الملائكة : صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء فلا يستغفرون الله له . وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السراء والضراء ، فهي خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين . والله أعلم . ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى : " إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا " {[13464]} [ فاطر : 41 ] - إلى أن قال إن كان حليما غفورا " ، وقوله تعالى : " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " {[13465]} [ الرعد : 6 ] . والمراد الحلم عنهم وألا يعالجهم بالانتقام ، فيكون عاما . قاله الزمخشري . وقال مطرف : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين . وقد تقدم{[13466]} . " ألا إن الله هو الغفور الرحيم " قال بعض العلماء : هيَّب وعظم جل وعز في الابتداء ، وألطف وبشر في الانتهاء .


[13461]:راجع ج 11 ص 156.
[13462]:آية 116 سورة البقرة.
[13463]:آية 7.
[13464]:آية 41 سورة فاطر.
[13465]:آية 6 سورة الرعد.
[13466]:راجع ج 15 ص 295.