معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

قوله تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره } . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عمار ، وذلك أن المشركين أخذوه ، وأباه ياسراً ، وأمه سمية ، وصهيباً ، وبلالاً ، وخباباً ، وسالماً ، فعذبوهم ، فأما سمية : فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربه فقتلت ، وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام ، وأما عمار : فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً . قال قتادة : أخذ بنو المغيرة عماراً ، وغطوه في بئر ميمون ، وقالوا له : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك ، وقلبه كاره ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفر فقال : كلا ، إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما وراءك ؟ قال : شر يا رسول الله ، نلت منك وذكرت آلهتهم ، قال : كيف وجدت قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " ، فنزلت هذه الآية . قال مجاهد : نزلت في ناس من أهل مكة ، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هاجروا ، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة ، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين . وقال مقاتل : نزلت في جبر ، مولى عامر بن الحضرمي ، أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرهاً . { وقلبه مطمئن بالإيمان } ، ثم أسلم مولى جبر ، وحسن إسلامه ، وهاجر جبر مع سيده . { ولكن من شرح بالكفر صدراً } ، أي : فتح صدره للكفر بالقبول واختاره ، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } . وأجمع العلماء على : أن من أكره على كلمة الكفر ، يجوز له أن يقول بلسانه ، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً ، وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل . واختلف أهل العلم في طلاق المكره . فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقاً ، أتبعهم صنفاً منهم هم أشدهم كفراً فقال تعالى : { من } ، أي : أي مخلوق وقع له أنه { كفر بالله } ، أي : الذي له صفات الكمال ، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر ، ولما كان الكفر كله ضاراً وإن قصر زمنه ، أثبت الجار فقال تعالى : { من بعد إيمانه } ، بالفعل أو بالقوة ، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس ، فصار استكباره عن الإيمان ارتداداً عنه ، وجواب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه : فهو الكاذب ، أو فعليه غضب من الله { إلا من أكره } ، أي : وقع إكراهه على قول كلمة الكفر . { وقلبه } ، أي : والحال أن قلبه { مطمئن بالإيمان } ، فلا شيء عليه ، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر ، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة ، والآية " نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه ، أكرهوه فتابعهم وهو كاره ، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :كلا‍‍ ! إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول : إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت " . { ولكن من شرح } ، أي : فتح فتحاً صار يرشح به ، { بالكفر صدراً } ، أي : منه أو من غيره بالتسبب فيه ؛ لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان ، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة . { فعليهم } ، لرضاهم به ، { غضب } ، أي : غضب ؛ ثم بين جهة عظمه بكونه { من الله } ، أي : الملك الأعظم . { ولهم } ، أي : بظواهرهم وبواطنهم ، { عذاب عظيم * } ، لارتدادهم على أعقابهم .