{ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } مثل به من هداه الله سبحانه وتعالى وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء ، فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل . وقرأ نافع ويعقوب { ميتا } على الأصل . { كمن مثله } صفته وهو مبتدأ خبره . { في الظلمات } وقوله : { ليس بخارج منها } حال من المستكن في الظرف لا من الهاء في مثله للفصل ، وهو مثل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها بحال . { كذلك } كما زين للمؤمنين إيمانهم . { زين للكافرين ما كانوا يعملون } والآية نزلت في حمزة وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار وأبي جهل .
/ { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطغيان فكيف يعقل طاعتهم له ، فالآية كما قال الطيبي متصلة بقوله سبحانه ، { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } [ الأنعام : 121 ] والهمزة للإنكار . والواو كما قال غير واحد لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتاً فاعطيناه الحياة { وَجَعَلْنَا لَهُ } مع ذلك من الخارج { نُوراً } عظيماً { يَمْشِي بِهِ } أي بسببه { فِى الناس } أي فيما بينهما آمنا من جهتهم ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يصنع بذلك النور ؟ فقيل : يمشي الخ أو صفة له . و ( من ) اسم موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر متعلق الجار والمجرور في قوله تعالى : { كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفته العجيبة . و ( من ) فيه اسم موصول أيضاً و { مّثْلِهِ } مبتدأ .
وقوله سبحانه : { فِى الظلمات } خبر هو محذوف . وقوله سبحانه : { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } في موضع الحال من المستكن في الظرف ، وهذه الجملة خبر المبتدأ أعني مثله على سبيل الحكاية بمعنى إذا وصف يقال له ذلك ، وجملة { مّثْلِهِ } مع خبره صلة الموصول . وإن شئت جعلت ( من ) في الموضعين نكرة موصوفة ولم يجوز أن يكون { فِى الظلمات } خبراً عن { مّثْلِهِ } لأن الظلمات ليس ظرفاً للمثل . وظاهر كلام بعضهم كأبي البقاء أن { فِى الظلمات } هو الخبر وليس هناك هو مقدراً ، ولا يلزم كما نص عليه بعض المحققين حديث الظرفية لأن المراد أن مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية ؛ نعم ما ذكر أولاً أولى لأن خبر { مّثْلِهِ } لا يكون إلا جملة تامة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدي مؤدى ذلك . وجوز كون جملة { لَيْسَ بِخَارِجٍ } حالاً من الهاء في { مّثْلِهِ } ومنعه أبو البقاء للفصل ، قيل : ولضعف مجيء الحال من المضاف إليه وقرأ نافع ويعقوب { مَيْتًا } بالتشديد وهو أصل للمخفف والمحذوف من اليائين الثانية المنقلبة عن الواو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ولا فرق بينهما عند الجمهور .
«ثم إن هذا الأخير كما قال شيخ الإسلام مثل أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينات إلى طريق الحق يسلكه كيف شاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظ المثل باقية على معانيها الأصلية بل على أنه قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأولتان ونزلتا منزلتهما فاستعمل فيهما ما يدل على الأخيرتين بضرب من التجوز » إلى آخر ما قال ، ونص القطب الرازي على أنهما تمثيلان لا استعارتان ، ورد كما قال الشهاب بأن الظاهر بأن من كان ميتاً ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً ولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية مشبه به وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب ؟ أي الشجاع كالجبان وهو من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ .
والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالميت الكافر الضال وبالإحياء الهداية وبالنور القرآن وبالظلمات الكفر والضلالة ، والآية على ما أخرج أبو الشيخ عنه نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو المراد بمن أحياه الله تعالى وهداه ، وأبي جهل بن هشام لعنه الله تعالى وهو المراد بمن مثله في الظلمات ليس بخارج ، وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك .
وفي رواية عن ابن عباس أنها في حمزة وأبي جهل ، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر ، وأبي جهل . وأيما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك كل من إنقاد لأمر الله تعالى ومن بقى على ضلاله وعتوه { كذلك } إشارة إلى التزيين المذكور على طرز ما قرر في أمثاله أو إشارة إلى إحياء الشياطين إلى أوليائهم أو إلى تزيين الايمان للمؤمنين { زُيّنَ } من جهته تعالى خلقا أو من جهة الشياطين وسوسة { للكافرين } كأبي جهل وأضرابه { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي مااستمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من القبائح .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالمجاهدات { فأحييناه } بروح المشاهدات أو ميتاً بشهوات النفس { فأحييناه } بصفاء القلب أو ميتاً برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور الفراسة أو الإرشاد ، وقال جعفر الصادق : المعنى أو من كان ميتاً عنا فأحييناه بنا وجعلناه إماماً يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال ، وقال ابن عطاء : أو من كان ميتاً بحياة نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات } أي ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لسوء استعداده { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين } المحجوبين { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 122 ] فاحتجبوا به
ثم ضرب الله مثلا لحال المؤمن والكافر فقال :
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } .
الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وهى داخلة على جملة محذوفة للعلم بها من الكلام السابق .
والتقدير : أأنتم أيها المؤمنون مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير علم وهل يعقل أن من كان ميتاً فأعطيناه الحياة وجعلنا له نوراً عظيما يمشى به فيما بين الناس آمنا كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها .
فالآية الكريمة تمثيل بليغ للؤمن والكافر لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين بعد أن نهاهم صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
فمثل المؤمن المهتدى إلى الحق كمن كان ميتا هالكا فأحياه الله وأعطاه نوراً يستضىء به فى مصالحه ، ويهتدى به إلى طرقه . ومثل الكافر الضال كمن هو منغمس فى الظلمات لا خلاص له منها فهو على الدوام متحير لا يهتدى فكيف يستويان ؟
والمراد بالنور : القرآن أو الإسلام ، والمراد بالظلمات : الكفر والجهالة وعمى البصيرة . فهو كقوله - تعالى - : { وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور وَلاَ الظل وَلاَ الحرور وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات } وقوله : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى : مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية - وهو تزيين نور الهدى للمؤمنين وظلمات الشرك للضالين قد زين للكافرين ما كانوا يعملونه من الآثام كعداوة النبى صلى الله عليه وسلم وذبح القرابين لغير الله - تعالى - وتحليل الحرام ، وتحريم الحلال وغير ذلك من المنكرات .
وجمهور المفسرين يرون أن المثل فى الآية عام لكل مؤمن وكل كافر وقيل إن المراد بمن أحياه الله وهداه عمر بن الخطاب ، والمراد بمن بقى فى الظلمات ليس بخارج منها عمرو بن هشام ، فقد أخرج ابن أبى الشيخ أن الآية نزلت فيهما ، وقيل نزلت فى عمار بن ياسر وأبى جهل ، وقيل فى حمزة وأبى جهل .
والذى نراه أن الآية عامة فى كل من هداه الله إلى الإيمان بعد أن كان كافراً ، وفى كل من بقى على ضلاله مؤثراً الكفر على الإيمان ويدخل فى ذلك هؤلاء المذكورون دخولا أوليا .