أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (15)

{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } باستحقاقه الإشراك تقليدا لهما ، وقيل أراد بنفي العلم به نفيه . { فلا تطعهما } في ذلك . { وصاحبهما في الدنيا معروفا } صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم . { واتبع } في الدين { سبيل من أناب إلي } بالتوحيد والإخلاص في الطاعة . { ثم إلي مرجعكم } مرجعك ومرجعهما . { فأنبئكم بما كنتم تعملون } بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما ، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال : وقد وصينا بمثل ما وصى به ، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يستحقاه في الإشراك فما ظنك بغيرهما . نزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثا لم تطعم فيها شيئا ، ولذلك قيل من أناب إليه أبو بكر رضي الله عنه فإنه أسلم بدعوته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (15)

قوله : { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } يعني إن حرص عليك الوالدان كل الحرص ، وبذلا فيك الجهد لحملك على متابعتهما في دينهما فتشرك بي في العبادة غيري مما لا تعلم أن شريك لي ، فلا تقبل منهما ذلك ولا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك بي . وذلك هو شأن المؤمن الواثق بربه المستيقن بحقيقة دينه ؛ فإنه لا يلين لأحد من الناس كالوالدين أو غيرهما إذا أرادوا حمله على الإشراك بالله أو التنازل عن جزء من عقيدة الإسلام أو فروضه وواجباته . إنه ما ينبغي لمسلم مستعصم مستمسك بعقيدته الصلبة المكينة أن يتزعزع أمام الحملات المختلفة من أساليب الإغراء والإغواء والإضلال ، بل يظل المسلم في وجه كل الأعاصير راسخ العقيدة شامخ الهمة والإرادة ، صابرا .

قوله : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } { مَعْرُوفًا } ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي وصاحبهما صحابا معروفا ؛ أي صاحبهما في الدنيا بالمعروف والإحسان ، وأطعهما في ما ليس فيه معصية لله . ويستدل من الآية على صلة الأبوين الكافرين بالمستطاع من المال إن كانا فقيرين ، وأن يعاملهما الولد باللين والرحمة والرفق عسى أن يهتديا . ولا يحل بذلك للولد أن يقسو على أبويه الكافرين فيعاملهما بالغلظة ، أو يخاطبهما بسوء الكلام مما فيه إيذاء لهما أو إهانة . وأي شيء من الإهانة وسوء الخطاب لأبويه أو لأحدهما فإنه خطيئة فادحة ، وكبيرة من الكبائر .

قوله : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } أي اتبع سبيل المؤمنين المنيبين إلى الله بعبادته وحده ، والتزام شرعه ومنهاجه { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي أنتم مبعوثون من بعد الموت وصائرون إلى الله يوم القيامة { فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } عقب معادكم ومصيركم إلى الله فإنه مطلعكم على جميع ما أسلفتم في دنياكم من الأعمال من خير أو شر فمجازيكم على ذلك كله{[3649]} .


[3649]:تفسير ابن كثير ج 3 ص 445، وفتح القدير ج 3 ص 238.