أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه . { أن اعبدوا الله ربي وربكم } عطف بيان للضمير في به ، أو بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا ليلزم بقاء الموصول بلا راجع ، أو خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني ، ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول ولا أن تكون أن مفسرة لأن الأمر مسند إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم والقول لا يفسر بل الجملة تحكي بعده إلا أن يؤول القول بالأمر فكأن قيل : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن { اعبدوا الله } . { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي رقيبا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه ، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان . { فلما توفيتني } بالرفع إلى السماء لقوله : { إني متوفيك ورافعك } والتوفي أخذ الشيء وافيا ، والموت نوع منه قال الله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } . { كنت أنت الرقيب عليهم } المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات . { وأنت على كل شيء شهيد } مطلع عليه مراقب له .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (117)

قوله : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } ذلك إقرار خالص من عيسى عليه السلام وفي غاية الأدب والخضوع لله إذ ينفي عن نفسه دعوتهم أن يتخذوه وأمه إلهين ، فيقول ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول وهو { أن اعبدوا الله ربي وربكم } أن ، تأتي هنا مفسرة بكسر السين . والمفسر ، بالفتح هو الهاء في " به " الراجع إلى القول المأمور به . أي ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به . وذلك القول هو أن أقول لهم : { اعبدوا الله ربي وربكم } .

قوله : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت رقيبا وشاهدا على أفعالهم وأقوالهم { ما دمت فيهم } ما في موضع نصب على الظرفية الزمانية . أي مدة دوامي فيهم .

قوله : { فلما توفتني كنت أنت الرقيب عليهم } توفيتني يعني قبضتنى بالرفع إلى السماء . يقال : توفيت المال إذا قبضته . وقيل : الوفاة في القرآن على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وقت انقضاء الأجل . ووفاة النوم . ووفاة الرفع إلى السماء . وهو المقصود هنا . فقد رفع الله إليه عيسى ابن مريم . وهو الآن حي في السماء ولسوف ينزل إلى الأرض إيذانا بقيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويدعو الناس إلى ملة الإسلام ، دين الفطرة والتوحيد . والمراد هنا . فلما قبضتني إليك بالرفع إلى السماء كنت أنت الحفيظ عليهم دوني ، لأني إنما شهدتهم وأنا بين أظهرهم .

قوله : { وأنت على كل شيء قدير } أنت تشهد على كل شيء ، لأنه لا يخفى عليك شيء . أما أنا فإنما شهدت بعض أقوالهم وأفعالهم وأنا مقيم بين أظهرهم . فأنت الشهيد لي وأنا بينهم . وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم .