{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم } باستحقاقه الإشراك تقليدا لهما ، وقيل أراد بنفي العلم به نفيه . { فلا تطعهما } في ذلك . { وصاحبهما في الدنيا معروفا } صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم . { واتبع } في الدين { سبيل من أناب إلي } بالتوحيد والإخلاص في الطاعة . { ثم إلي مرجعكم } مرجعك ومرجعهما . { فأنبئكم بما كنتم تعملون } بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما ، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال : وقد وصينا بمثل ما وصى به ، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يستحقاه في الإشراك فما ظنك بغيرهما . نزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثا لم تطعم فيها شيئا ، ولذلك قيل من أناب إليه أبو بكر رضي الله عنه فإنه أسلم بدعوته .
{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) }
وإن جاهدك- أيها الولد المؤمن- والداك على أن تشرك بي غيري في عبادتك إياي مما ليس لك به عِلم ، أو أمراك بمعصية مِن معاصي الله فلا تطعهما ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وصاحبهما في الدنيا بالمعروف فيما لا إثم فيه ، واسلك- أيها الابن المؤمن- طريق مَن تاب من ذنبه ، ورجع إليَّ وآمن برسولي محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إليَّ مرجعكم ، فأخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا ، وأجازي كلَّ عامل بعمله .
قوله تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } أي : بالمعروف ، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة ، { واتبع سبيل من أناب إلي } أي : دين من أقبل إلى طاعتي ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قال عطاء عن ابن عباس : يريد أبا بكر ، وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، فقالوا له : قد صدقت هذا الرجل وآمنت به . قال : نعم ، هو صادق ، فآمنوا به ، ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا ، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام ، أسلموا بإرشاد أبي بكر . قال الله تعالى : { واتبع سبيل من أناب إلي } يعني أبا بكر ، { ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } . وقيل : نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه ، وقد مضت القصة . وقيل : الآية عامة في حق كافة الناس .
ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال : { وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } .
والجملة الكريمة معطوفة على قوله { وَوَصَّيْنَا } . بإضمار القول . أى : ووصينا الإِنسان بوالديه . وقلنا له : { وَإِن جَاهَدَاكَ } أى : وإن حملاك { على أَن تُشْرِكَ بِي } فى العبادة أو الطاعة ، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا } فى ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .
وجملة { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لبيان الواقع ، فلا مفهوم لها ، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل - .
ثم أمر - سبحانه - مبصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً } .
أى : إن حملاك على الشرك . فلا تطعمهما ، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة ، يرتضيهما الشرع ، وتقضيها مكارم الأخلاق .
وقوله { مَعْرُوفاً } صفة لمصدر محذوف . أى : صحابا معروفا . أو منصوب بنزع الخافض . أى : بالمعروف .
ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال : { واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } . أى : واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى ، الذين رجعوا إلي بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص .
{ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } جميعا يوم القيامة - أيها الناس - { فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فى الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قال القرطبى ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم ، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت . . وفيها دليل على صلة الأبوين الكافرين ، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين . . . " وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق ، للنبى صلى الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل : أمها من الراضعة : يا رسول الله ، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفاصلها ؟ قال : " نعم " وراغبة قيل معناه : عن الإِسلام ، أو راغبة فى الصلة .
قوله : { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } يعني إن حرص عليك الوالدان كل الحرص ، وبذلا فيك الجهد لحملك على متابعتهما في دينهما فتشرك بي في العبادة غيري مما لا تعلم أن شريك لي ، فلا تقبل منهما ذلك ولا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك بي . وذلك هو شأن المؤمن الواثق بربه المستيقن بحقيقة دينه ؛ فإنه لا يلين لأحد من الناس كالوالدين أو غيرهما إذا أرادوا حمله على الإشراك بالله أو التنازل عن جزء من عقيدة الإسلام أو فروضه وواجباته . إنه ما ينبغي لمسلم مستعصم مستمسك بعقيدته الصلبة المكينة أن يتزعزع أمام الحملات المختلفة من أساليب الإغراء والإغواء والإضلال ، بل يظل المسلم في وجه كل الأعاصير راسخ العقيدة شامخ الهمة والإرادة ، صابرا .
قوله : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } { مَعْرُوفًا } ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي وصاحبهما صحابا معروفا ؛ أي صاحبهما في الدنيا بالمعروف والإحسان ، وأطعهما في ما ليس فيه معصية لله . ويستدل من الآية على صلة الأبوين الكافرين بالمستطاع من المال إن كانا فقيرين ، وأن يعاملهما الولد باللين والرحمة والرفق عسى أن يهتديا . ولا يحل بذلك للولد أن يقسو على أبويه الكافرين فيعاملهما بالغلظة ، أو يخاطبهما بسوء الكلام مما فيه إيذاء لهما أو إهانة . وأي شيء من الإهانة وسوء الخطاب لأبويه أو لأحدهما فإنه خطيئة فادحة ، وكبيرة من الكبائر .
قوله : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } أي اتبع سبيل المؤمنين المنيبين إلى الله بعبادته وحده ، والتزام شرعه ومنهاجه { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي أنتم مبعوثون من بعد الموت وصائرون إلى الله يوم القيامة { فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } عقب معادكم ومصيركم إلى الله فإنه مطلعكم على جميع ما أسلفتم في دنياكم من الأعمال من خير أو شر فمجازيكم على ذلك كله{[3649]} .