أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

{ مُهطعين } أي مسرعين إلى الداعي ، أو مقبلين بأبصارهم لا يطوفون هيبة وخوفا ، وأصل الكلمة هو الإقبال على الشيء . { مُقنعي رؤوسِهم } رافعيها . { لا يرتدّ إليهم طرفهم } بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف ، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم . { وأفئدتهم هواء } خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة ، ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير :

من الظلمان جؤجؤه هواء *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقيل خالية عن الخير خاوية عن الحق .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين ؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .

والظلم على وجوه ؛ ظلم على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة ، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه ، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين .

ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلوم من جهته ، والحقُّ- سبحانه- ينتصف له منه غداً ، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه .

قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى . . . } .

وهذا للعوام من المؤمنين ، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف ، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك ، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا :

وما رضوا بالعفو عن ذي زلة *** حتى أنالوا كفَّه وازدادوا

وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة ، ولا منه مطالبة ، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً .