{ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } ، ما غزلته ، مصدر بمعنى المفعول . { من بعد قوة } ، متعلق ب : { نقضت } ، أي : نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام . { أنكاثا } ، طاقات نكث فتلها ، جمع نكث ، وانتصابه على الحال من : { غزلها } ، أو المفعول الثاني لنقضت ، فإنه بمعنى صيرت ، والمراد به : تشبيه الناقض بمن هذا شأنه . وقيل : هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية ، فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك . { تتّخذون أيمانكم دخَلاً بينكم } ، حال من الضمير في : { ولا تكونوا } ، أو في الجار الواقع موقع الخبر ، أي : لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها ، متخذي أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم ، وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه . { أن تكون أمّة هي أربى من أمّةٍ } ؛ لأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا من جماعة ، والمعنى : لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم ، أو لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش ، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم . { إنما يبلوكم الله به } ، الضمير ل " أن تكون أمة " ؛ لأنه بمعنى المصدر ، أي : يختبركم بكونهم أربى لينظر . أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله ، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم . وقيل : الضمير للرياء ، وقيل : للأمر بالوفاء . { وليبيّنن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب .
مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه ، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه ، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه ، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً ، أي : من بعد ما أبرمت فَتْلَه .
وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة ، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ- فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ ، فكما قيل :
فَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً *** خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه
فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسهُم ، وينطفِئَ- في الليلة الظلماءِ- سِرجُهم ، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم ، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم ، إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ ، وعذابٌ أليم ، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله :
{ وَنُقَلِّبُ أَفْئَدَتَهُم وَأَبْصَارَهُمْ كَمَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام :10 ] ، فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل :
والصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها *** إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ
هنالك تنسكب العَبَرَاتُ ، وتُشَق الجيوب ، وتُلْطَم الخدود ، وتُعطَّلُ العِشار ، وتخَرَّبُ المنازلُ ، وتسودُّ الأبواب ، وينوح النائح :
وأتى الرسول فأخ *** بر أنهم رحلوا قريبا
رجعوا إلى أوطانهم *** فجرى لهم دمعي صبيبا
وتركن ناراً في الضلوع *** وزرعن في رأسي مشيبا
قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .
بلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله ؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه ، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ ، وإنما هذا بلاء العوام . ولكنَّ بلاَءَ هذا غيرُ الكرامِ فهو كما قيل :
مَنْ لم يَبِتَ- والحبُّ مِلْءُ فؤادِه *** لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.