{ أشحة عليكم } بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو الظفر أو الغنيمة ، جمع شحيح ونصبها على الحال من فاعل { يأتون } أو { المعوقين } أو على الذم . { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } في أحداقهم . { كالذي يغشى عليه } كنظر المغشي عليه أو كدوران عينيه ، أو مشبهين به أو مشبهة بعينه . { من الموت } من معالجة سكرات الموت خوفا ولواذا بك . { فإذا ذهب الخوف } وحيزت الغنائم . { سلقوكم } ضربوكم . { بألسنة حداد } ذرية يطلبون الغنيمة ، والسلق البسط بقهر باليد أو اللسان . { أشحة على الخير } نصب على الحال أو الذم ، ويؤيده قراءة الرفع وليس بتكرير لأن كلا منهما مقيد من وجه . { أولئك لم يؤمنوا } إخلاصا . { فأحبط الله أعمالهم } فأظهر بطلانها إذ لم تثبت لهم أعمال فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقهم . { وكان ذلك } الإحباط . { على الله يسيرا } هينا لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه عنه .
{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بأبدانهم عند القتال ، وبأموالهم عند النفقة فيه ، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم . { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } نظر المغشى عليه { مِنَ الْمَوْتِ } من شدة الجبن ، الذي خلع قلوبهم ، والقلق الذي أذهلهم ، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون ، من القتال .
{ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ } وصاروا في حال الأمن والطمأنينة ، { سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة } أي : خاطبوكم ، وتكلموا معكم ، بكلام حديد ، ودعاوى غير صحيحة .
وحين تسمعهم ، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام ، { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } الذي يراد منهم ، وهذا شر ما في الإنسان ، أن يكون شحيحًا بما أمر به ، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه ، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء اللّه ، أو يدعو إلى سبيل اللّه ، شحيحًا بجاهه ، شحيحًا بعلمه ، ونصيحته ورأيه .
{ أُولَئِكَ } الذين بتلك الحالة { لَمْ يُؤْمِنُوا } بسبب عدم إيمانهم ، أحبط الله أعمالهم ، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }
وأما المؤمنون ، فقد وقاهم اللّه ، شح أنفسهم ، ووفقهم لبذل ما أمروا به ، من بذل لأبدانهم في القتال في سبيله ، وإعلاء كلمته ، وأموالهم ، للنفقة في طرق الخير ، وجاههم وعلمهم .
ثم أخذت السورة الكريمة فى تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا ، فقال - تعالى - { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } ، جمع شحيح من الشح وهو البخل فى أبح صوره . ولفظ { أَشِحَّةً } منصوب على الحال من الضمير فى قوله : { وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً } .
أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور ، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا يعاونوكم فى حفر الخندق ، ولا فى الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولا فى أى شئ فيه منفعة لكم .
{ فَإِذَا جَآءَ الخوف } ، أى فإذا اقترب الوقت الذى يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم . { رَأَيْتَهُمْ } أيها الرسول الكريم - { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } بجبن وهلع { تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } فى مآقيهم يمينا وشمالا .
وحالهم كحال الذى { يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } أى : كحال الذى أحاط به الموت من كل جانب ، فصار فى أقصى دركات الوهن والخوف والفزع .
هذه هى حالهم عندما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان وذهاب الخوف ، فهى كما قال - تعالى - { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } .
وقوله { سَلَقُوكُمْ } من السَّلْق . وأصله بسط العضو ومده للأذى ، سواء أكان هذا العضو يدا أو لسانا . والمراد به الإِيذاء بالكلام السيئ القبيح .
أى : أنهم عند الشدائد جبناء بخلاء ، فإذا ما ذهبا لخوف وحل الأمان ، سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء ، ورموكم بألسنة ماضية حادة ، تؤثر تأثير الحديد فى الشئ ، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم ، صار حالهم كحال المغشى عليه من الموت .
ثم هم بعد كل ذلك { أَشِحَّةً عَلَى الخير } أى بخلاء بكل خير ، فهم يحرصون على جمع الغنائم ، وعلى الأموال بكل وسيلة ، ولكنهم لا ينفقون شيئا منها فى وجه من وجوه الخير والبر .
قال ابن كثير قوله { أَشِحَّةً عَلَى الخير } أى : ليس فيهم خير ، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال فى أمثالهم الشاعر :
أفى السلم أعْيَاراً جفاء وغلظة . . . وفى الحرب أمثال النساء العوارك
أى : هم فى حال المسالمة كأنهم الحمير الأعيار . جمع عير وهو الحمار . وفى الحرب كأنهم النساء الحيض .
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : { أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً } .
أى : أولئك المنافقون الموصوفون بما سبق من الصفات السيئة { لَمْ يُؤْمِنُواْ } بما يجب الإِيمان به إيمانا صادقا ، بل قالوا بألسنتهم قولا تكذبه قلوبهم وأفعالهم { فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ } بأن أبطلها وجلها هباء منثورا ، وكان ذلك الإِحباط على الله - سبحانه - هينا يسيرا .
وخص - سبحانه - يُسْرَ إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شئ يسير عليه - تعالى - لبيان أن أعمالهم جديرة بالإِحباط والإِفساد ، لصدورها عن قلوب مريضة ، ونفوس خبيثة .
قال صاحب الكشاف : وهل يثبت للمنافقين عمل حتى يرد عليه الإِحباط ؟
قلت : لا ، لكنه تعليم لن عسى يظن أن الإِيمان باللسان إيمان ، وإن لم يوطئه القلب ، وإن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه ، فبين أن إيمانه ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل ، وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإِيمان الصحيح ، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء من غير أساس ، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا .
قوله : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } { أَشِحَّةً } منصوب على الحال . والشحّ معناه البخل . وهؤلاء المنافقون أشحة على المسلمين ، أي بخلاء عليهم ، فهم يضِنّون عليهم بكل شيء . فهم بخلاء عليهم في مشاركتهم في حفر الخندق ، وفي قتال المشركين ، وفي النفقة على الفقراء والمحاويج وغير ذلك من وجوه الخير .
قوله : { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } وهذا وصف كامل وحكيم لهؤلاء الجبناء الخائرين ، فإنهم إذ وقع القتال وحصل بسببه الخوف { رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } جملة فعلية في موضع نصب على الحال { تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ } جملة فعلية ، حال بعد حال{[3710]} . أي لفرط خوف هؤلاء المنافقين وما غشيهم من شديد الفزع تدور أعينهم يمينا وشمالا كأنما سُلبت عقولهم فهم { كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } أي تدور أعينهم دورانا كدوران عين الذي يُغشى عليه الموت . فحال هؤلاء الرعاديد ، إذا حضر القتال ووقع الخوف كحال الذي يغشاه الموت فإنه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف .
قوله : { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } { سَلَقُوكُمْ } ، أي خاطبوكم بما تكرهون{[3711]} فإذا وقف القتال وانقطعت الحرب واطمأن المنافقون والذين في قلوبهم مرض عضوكم بألسنة ذَرِبة فأسمعوكم من الكلام ما يؤذيكم ، أو بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم . وقيل : بسطوا ألسنتهم فيكم عند قسمة الغنيمة قائلين : أعطنا ، أعطنا ؛ فإنا قد شهدنا معكم . فعند الغنيمة أشح قوما وأبسطهم لسانا ، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم .
قوله : { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر } { أَشِحَّةً } ، منصوب على الحال من الواو في { سلقوكم } {[3712]} أي أنهم أشحة على الغنيمة ، فهم يشاحون المسلمون عند القسمة . وقيل : أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله . أو هم بخلاء في بذل الخير على اختلاف وجوهه .
قوله : { أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ } أي هؤلاء الذين تبينت صفاتهم من الشح والجبن والخور وفساد القلب وتثبيط المسلمين { لَمْ يُؤْمِنُوا } أي لم تؤمن قلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان بما تنطقه أفواههم ؛ فهم بذلك كافرون { أَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ } أي لم يجزهم الله عليها خيرا ، ولم يؤجروا عليها ؛ لأنهم منافقون لا يقصدون وجه الله .
قوله : { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } يعني إحباط أعمالهم التي عملوها هين على الله{[3713]} .