{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } رد لقولهم { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } وقيل معناه نفي استنباء النساء { يوحي إليهم } كما يوحي إليك ويميزون بذلك عن غيرهم . وقرأ حفص " نوحي " في كل القرآن ووافقه حمزة والكسائي في سورة " الأنبياء " . { من أهل القرى } لأن أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو . { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك ، أو من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا عن حبها . { ولدار الآخرة } ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة . { خير للذين اتقوا } الشرك والمعاصي . { أفلا تعقلون } يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء حملا على قوله : { قل هذا سبيلي } أي قل لهم أفلا تعقلون .
{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون109 } .
109 { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى . . . } .
تختم سورة يوسف بهذه الآيات الأخيرة من السورة ؛ تعقيبا على سورة يوسف وقصته ، التي هي محل العظة والاعتبار في ألوان متعددة ، منها : إلقاؤه في الجب ، ثم صيرورته في بيت العزيز ، ثم تعرضه للفتنة والامتحان ، ونجاحه وسلامته ، ثم إلقاؤه في السجن ، وتفسيره للرؤيا ، ثم انتقاله وزيرا مطلق اليد ، ونجاحه في إدارة أمور البلاد ، وتسامحه مع إخوته ، وتعظيمه أبويه ، وأخيرا تحقيق الرؤيا التي رآها يوسف .
إن هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم برسالة السماء ، كانوا رجالا من البشر تميزوا باختيار الله لهم ؛ لحمل رسالته : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } . ( الأنعام : 124 ) ، كما شرفهم الله بالوحي إليهم ، فلم يكونوا ملائكة ، وإنما كانوا رجالا في البشر نزل عليهم الوحي ، قال تعالى : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ } . ( فصلت : 6 ) ، وقوله سبحانه : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } . ( الفرقان : 20 ) .
{ من أهل القرى } . أي : من أهل المدن ، والبلاد العامرة الكثيرة المباني ، لا من أهل البادية ؛ فهم في العادة أهل جفاء وغلظة ، على حد قوله تعالى : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم } . ( التوبة : 97 ) .
والقرى : جمع قرية وهو على ما في( القاموس ) : المصر الجامع ، وفي( كفاية المتحفظ ) : القرية : كل ما اتصلت به الأبنية ، واتخذ قرارا ، وتقع على المدن وغيرها . اه .
والمراد بالقرى هنا : المدن ، أي : لا أنهم من أهل البوادي الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا ، وهذا هو المعهود المعروف : أن أهل المدن أرق طباعا ، ألطف من أهل بواديهم ، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي ، ولهذا قال تعالى : { الأعراب أشد كفرا ونفاقا . . . } الآية . قال قتادة : إنما كانوا من أهل القرى ؛ لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود . 49 .
ونقل عن الحسن أنه قال : " لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن " 50 .
{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } .
أفلم يعتبروا بسنن الله في الخلق ، ويسيروا في الأرض بأجسامهم أو بعقولهم وأفكارهم ، فيتأملوا وينظروا : { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } . أي : من المكذبين من أمثال فرعون وهامان وعاد وثمود كيف أهلك الله الكافرين ونجى المؤمنين . والاستفهام هنا ؛ للتقريع والتوبيخ ، وفيه حث على النظر والتدبر والتفكر ؛ ليكون ذلك سبيلا إلى الهداية .
{ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون } .
أي : إن العبرة التي يستخلصها العقلاء من وقوفهم على هلاك الظالمين ونجاة المؤمنين : أن الدنيا متاع قليل ، وأن الآخرة هي الحياة الدائمة للذين اتقوا ربهم وتزودوا لهذه الدار بالعمل الصالح .
{ أفلا تعقلون } . أفلا تستخدمون عقولكم ؛ فتدركون أن الإيمان أبقى وأنفع ، وفيه تقريع وتوبيخ لهؤلاء المشركين الضالين ، الذي عطلوا عقولهم ؛ فلم يهتدوا بها إلى خير ، ولم يتعرفوا بها على حق ، وذلك هو الخسران المبين .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم : { لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة } [ فصلت : 14 ] نفي له ، وقيل : المراد نفي استنباء النساء ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وزعم بعضهم أن الآية نزلت( {[444]} ) في سجاح بنت المنذر المنبئة التي يقول فيها الشاعر :
أمست نبيتنا أنثى نطوف بها *** ولم تزل أنبياء الله ذكرانا
فلعنة الله والاقوام كلهم *** على سجاح ومن بالافك أغرانا
أعني مسيلمة الكذاب لاسقيت *** اصداؤه ماء مزن أينما كانا
وهو مما لا صحة له لأن ادعاءها النبوة كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكونه اخباراً بالغيب لا قرينة عليه { نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما أوحينا إليك . وقرأ أكثر السبعة { يُوحَى } بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول ، وقراءة النون وهي قراءة حفص . وطلحة . وأبي عبد الرحمن موافقة لأرسلنا { مّنْ أَهْلِ القرى } لأن أهلها كما قال ابن زيد . وغيره : وهو مما لا شبهة فيه أعلم وأحلم من أهل البادية ولذا يقال : لأهل البادية أهل الجفاء ، وذكروا ان التبدي مكروه إلا في الفتن ، وفي الحديث «من بدا جفا » قال قتادة : ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى ، ونقل عن الحسن أنه قال : لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن ، وقوله تعالى : { وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو } [ يوسف : 100 ] قد مر الكلام فيه آنفاً .
{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْفي الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } من المكذبين بالرسل والآيات من قوم نوح ، وقوم لوط . وقوم صالح وسائر من عذبه الله تعالى فيحذروا تكذيبك وروى هذا عن الحسن ، وجوز أن يكون المراد عاقبة الذين من قبلهم من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا ويكفوا عن حبها وكأنه لاحظ المجوز ما سيذكر ، والاستفهام على ما في البحر للتقريع والتوبيخ { وَلَدَارُ الاخرة } من إضافة الصفة إلى الموصوف عند الكوفية أي ولا الدارالآخرةوقدر البصرى موصوفاً أي ولدار الحال أو الساعة أو الحياةالآخرةوهو المختار عند الكثير في مثل ذلك { خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا } الشرك والمعاصي : { أفَلا تَعْقِلُونَ } فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية دارالآخرةفتتوسلوا إليها بالاتقاء ، قيل : إن هذا من مقول { قُلْ } [ يوسف : 108 ] أي قل لهم مخاطباً أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره ، وقوله سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } إلى { مِن قَبْلِهِمُ } أو { اتقوا } اعتراض بين مقول القول ، واستظهر بعضهم كون هذا التفاتاً . وقرأ جماعة { يَعْقِلُونَ } بالياء رعيا لقوله سبحانه : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } .
ثم بين - سبحانه - أن رسالته - صلى الله عليه وسلم - ليست بدعا من بين الرسالات السماوية ، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه في الدعوة إلى الله ، فقال - تعالى - { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى . . . }
أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس ، إلا رجالاً مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولاً وأكثر حلما .
وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن الجنس إلى جنسه أميل ، وأكثرهم تفهما وإدراكاً لما يلقى عليه من أبناء جنسه .
ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ . . . }
أى : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميراً ، وهؤلاء الجاحدين الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة في الأرض . وقومك - يا محمد - يمرون عليهم في الصباح وفى المساء وهم في طريقهم إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - .
فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم في الشرك والجحود .
وقوله { وَلَدَارُ الآخرة } وما فيها من نعيم دائم { خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا } الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .
{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول في الإِيمان ، ونبذ الكفر والطغيان .