البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

إلا رجالاً حصر في الرسل دعاة إلى الله ، فلا يكون ملكاً .

وهذا رد على من قال : { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } وكذلك قال : { لو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } وقال ابن عباس : يعني رجالاً لا نساء ، فالرسول لا يكون امرأة ، وهل كان في النساء نبية فيه خلاف ؟ والنبي أعم من الرسول ، لأنه منطلق على من يأتيه الوحي سواء أرسل أو لم يرسل ، قال الشاعر في سجاح المتنبئة :

أمست نبيتنا أنثى نطيف بها *** ولم تزل أنبياء الله ذكرانا

فلعنة الله والأقوام كلهم *** على سجاح ومن بالإفك أغرانا

أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت *** أصداؤه ماء مزن أينما كانا

وقرأ أبو عبد الرحمن ، وطلحة ، وحفص : نوحي بالنون وكسر الحاء ، موافقاً لقوله : وما أرسلنا .

وقرأ الجمهور بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول .

والقرى المدن .

قال ابن زيد : أهل القرى أعلم وأحلم من أهل البادية ، فإنهم قليل نبلهم ، ولم ينشىء الله قط منهم رسولاً .

وقال الحسن : لم يبعث الله رسولاً من أهل البادية ، ولا من النساء ، ولا من الجن .

والتبدي مكروه إلا في الفتن ، ففي الحديث : «من بدا جفا » ثم استفهم استفهام توبيخ وتقريع .

والضمير في يسيروا عائد على من أنكر إرسال الرسل من البشر ، ومن عاند الرسول وأنكر رسالته كفر أي : هلا يسيرون في الأرض فيعلمون بالتواتر أخبار الرسل السابقة ، ويرون مصارع الأمم المكذبة ، فيعتبرون بذلك ؟ ولدار الآخرة خير ، هذا حض على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها ، واتقاء المهلكات ، ففي هذه الإضافة تخريجان : أحدهما : أنها من إضافة الموصوف إلى صفته ، وأصله : ولدار الآخرة .

والثاني : أن يكون من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه ، وأصله : ولدار المدة الآخرة أو النشأة الآخرة .

والأول : تخريج كوفي ، والثاني : تخريج بصرى .

وقرأ الجمهور : أفلا يعقلون بالياء رعياً لقوله : أفلم يسيروا .

وقرأ الحسن ، وعلقمة ، والأعرج ، وعاصم ، وابن عامر ، ونافع : بالتاء على خطاب هذه الأمة تحذيراً لهم مما وقع فيه أولئك ، فيصيبهم ما أصابهم .

قال الكرماني : أفلا يعقلون أنها خير .

فيتوسلوا إليها بالإيمان انتهى .