{ مُهطعين } أي مسرعين إلى الداعي ، أو مقبلين بأبصارهم لا يطوفون هيبة وخوفا ، وأصل الكلمة هو الإقبال على الشيء . { مُقنعي رؤوسِهم } رافعيها . { لا يرتدّ إليهم طرفهم } بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف ، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم . { وأفئدتهم هواء } خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة ، ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير :
من الظلمان جؤجؤه هواء *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مهطعين : مسرعين : من أهطع في عدوه ؛ إذا أسرع .
مقنعي رءوسهم : رافعيها من إدامة النظر لا يلتفتون إلى شيء ، يقال : أقنع رأسه : رفعه .
لا يرتد إليهم طرفهم : الطرف : العين ، ولا يجمع ؛ لأنه في الأصل مصدر ، والمراد : لا ترجع إليهم أجفانهم التي تحتها العيون بل تظل مفتوحة .
وأفئدتهم هواء : أي : وقلوبهم خالية لا يشغلها سوى الخوف .
-{ مهطعين مقنعي رءوسهم . . . } .
أي : مسرعين إلى الداع بذلة واستكانة ، كما يسرع الأسير والخائف .
{ مقنعي رءوسهم } . أي : رافعيها مع دوام النظر ، من غير التفات إلى شيء .
{ لا يرتد إليهم طرفهم } . أي : لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم ؛ كما كانوا يفعلون في الدنيا في كل لحظة ، بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف من شدة الفزع والخوف .
{ وأفئدتهم هواء } . أي : إنها مضطربة تجيش في صدورهم ، تجيء وتذهب ، ولا تستقر في مكان حتى تبلغ الحناجر ؛ لشدة ما يرون من هول موقف الحساب .
قوله تعالى : { مهطعين } ، قال قتادة : مسرعين . قال سعيد بن جبير : الإهطاع النسلان كعدو الذئب . وقال مجاهد : مديمي النظر . ومعنى الإهطاع : أنهم لا يلتفون يمينا ولا شمالا ، ولا يعرفون مواطن أقدامهم . { مقنعي رؤوسهم } ، أي : رافعي رؤوسهم . قال القتيبي : المقنع : الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه . وقال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء ، لا ينظر أحد إلى أحد . { لا يرتد إليهم طرفهم } أي : لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر ، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم . { وأفئدتهم هواء } ، أي : خالية . قال قتادة : خرجت قلوبهم عن صدروهم ، فصارت في حناجرهم ، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها ، فالأفئدة هواء لا شيء فيها ، ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء لخلوه . وقيل : خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف . وقال الأخفش : جوفاء لا عقول لها ، والعرب تسمى كل أجوف خلو هواء . وقال سعيد بن جبير : { وأفئدتهم هواء } أي : مترددة ، تمور في أجوافهم ، ليس لها مكان تستقر فيه . وحقيقة المعنى : أن القلوب زائلة عن أماكنها ، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم .
ثم بين - سبحانه - بعض أحوال هؤلاء الظالمين فى هذا اليوم العظيم فقال - تعالى - : { مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } .
والإِهطاع السير السريع . يقال : أهطع فلان فى مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا أسرع فى سيره بذلة واضطراب .
و { مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ } أى رافعيها ، يقال : أهطع فلان رأسه ، إذا نصبه ورفعه دنون أن يلتفت يمينا أو شمالا . وقيل ، إقناع الرءوس طأطأتها وانتكاسها .
الأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب .
والمعنى : أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم فى هذا اليوم مسرعين إلى الداعى بذلة واستكانة ، كإسراع الأسير الخائف ، رافعى رءوسهم إلى السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شئ .
{ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } أى : لا تتحرك أجفان عيونهم ، بل تبقى مفتوحة بدون حراك لهول ما يشاهدونه فى هذا اليوم العصيب .
{ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } أى : وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم ، بحيث لا تعى شيئا من شدة الفزع والدهشة ، ومنه قولهم فى شأن الأحمق والجبان قلبهما هواء ، أى لا رأى فيه ولا قوة .
وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه فى معنى فارغة أو خالية .
قال - تعالى - { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً . . . } أى خاليا من كل شئ إلا من التفكير فى شأن مصير ابنها موسى - عليه السلام - .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الظالمين فى هاتين الآيتين بجملة من الصفات الدالة على فزعهم وحيرتهم .
وصفهم أولا بشخوص الأبصار ، ووصفهم ثانيا بالإِسراع إلى الداعى فى ذلة وانكسار ، ووصفهم ثالثا برفع رءوسهم فى حيرة واضطراب ، ووصفهم رابعا : بانفتاح عيونهم دون أن تطرف من شدة الوجل ، ووصفهم خامسا بخلو قلوبهم من إدارك أى شئ بسبب ما اعتراهم من دهشة ورعب .
وقوله - سبحانه - : { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } من باب التشبيه البليغ الذى حذفت فيه الأداة ، والتقدير : وقلوبهم كالهواء فى الخلو من الإدراك من شدة الهول .
قوله : ( معطعين مقنعي رؤوسهم ) مهطعين مقنعي رؤوسهم ، منصوبان على الحال من الضمير في ( يؤخرهم ) والتقدير : إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار في هاتين الحالتين{[2415]} و ( مهطعين ) أي مسرعين . من الإهطاع والهطع والهطوع وهو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع . وأهطع الرجل إذا مد عنقه وصوّب رأسه وأسرع مقبلا خائفا . أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه{[2416]} . ومقنعين ؛ أي رافعين رؤوسهم وناظرين في ذل وخوف{[2417]} .
وهذه هي حال الظالمين المجرمين الذين يأتون يوم القيامة وقد أثقلتهم الخطايا والمعاصي وأهلكهم الكفران والشرك والإفساد في الأرض . يأتون مسرعين رافعين رؤوسهم ، مادين أعناقهم ، شاخصة أبصارهم فلا تطرف . وذلك كله لهول الموقف العصيب ، ولشدة ما يغشاهم من الهوان والوجل . نسأل الله العفو والستر والنجاة والأمان .
قوله : ( لا يرتد إليهم طرفهم ) الطرف ، معناه تحريك الجفن ، والمراد : أن الظالمين لا تطرف أبصارهم ؛ فهم دائمو الشخوص في ذل ووجل .
قوله : ( وأفئدتهم هواء ) الهواء معناه الخلاء أو الأجوف الذي لم يشغله شيء ، ثم جعل ذلك وصفا للقلب المضطرب الخاوي الذي لا خير فيه ولا قوة . وهذه حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة ؛ إذ تكون قلوبهم خالية من كل أمل أو رجاء أو خاطر لانشغالها بما تجده حينئذ من الهم والاضطراب والوجل .
هذه حال الظالمين الخاسرين يوم القيامة من التعس والخسران والذل واشتداد الوجل لهول ما يواجههم من الدواهي العظام والويلات المريعة الجسام . نجانا الله من كل ذلك برحمته نجاة تفضي بنا إلى السلامة والأمان .
وما ينبغي الظن أن عقاب الظالمين محصور في الآخرة دون الدنيا ؛ فإن الله المنتقم الجبار لا يخفى عليه ما يصنعه الطغاة المجرمون في هذه الدنيا من وجوه الظلم والباطل ، وما يكيده هؤلاء التعساء المجرمون لدينه وقرآنه والمسلمين من بالغ الكيد والعدوان والاضطهاد . والله جل جلاله يستمهل هؤلاء المضلين العصاة استمهالا ، حتى إذا جاء وعده بالانتقام دمّر عليهم أفظع تدمير وأخذهم أخذ عزيز مقتدر في هذه الدنيا قبل الآخرة{[2418]} .