{ قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض } له ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما ، فلا خلق يخفى عليه علما . { أبصر به وأسمع } ذكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عما عليه إدراك السامعين والمبصرين ، إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي ، والهاء تعود إلى الله ومحله الرفع على الفاعلية والباء مزيدة عند سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر ، ثم نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء ، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة له أو لزيادة الباء كما في قوله تعالى { وكفى به } والنصب على المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية ومعدية إن كانت للصيرورة . { ما لهم } الضمير لأهل السماوات والأرض . { من دونه من وليّ } من يتولى أمورهم . { ولا يشرك في حكمه } في قضائه . { أحدا } منهم ولا يجعل له فيه مدخلا . وقرأ ابن عامر وقالون عن يعقوب بالتاء والجزم على نهي كل أحد عن الإشراك .
26- { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض . . . }
إن الله أعلم بمدة لبثهم في الكهف على وجه اليقين ؛ وكانت هناك أقوال لليهود والنصارى وغيرهم حول المدة التي مكثها هؤلاء الفتية في الكهف ، وفي عددهم ، فكأن الله سبحانه يقول :
ما أخبرتك يا محمد ، هو فصل الخطاب في موضوعهم ، وقد أعلمتك به ، وما أخبرتك به هو الحق الصحيح ، الذي لا يحوم حوله شك ؛ فلا تلتفت إلى غيره من أقوال الخائضين في أمر هؤلاء الفتية ؛ فإن الله هو الأعلم بحقيقة ذلك .
أي : هو سبحانه المختص بعلم الغيب ، وهو علام الغيوب ؛ فلا يخفى عليه علم شيء في الأرض والسماء ، وقد أخبرك السميع العليم ، بالخبر القاطع في شأنهم .
{ أبصر به وأسمع } أي : إنه لبصير بهم ، سميع لهم .
قال ابن جرير : وذلك في معنى المبالغة في المدح ؛ كأنه قيل : ما أبصره وأسمعه ! وتأويل الكلام : ما أبصر الله لكل موجود ، وأسمعه لكل مسموع ، ولا يخفى عليه من ذلك شيء !
وقال قتادة : { أبصر به وأسمع ؛ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع .
{ ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا } .
أي : ليس لأهل السماوات ولا لأهل الأرض ولا لغيرهما نصير ينصرهم أو ولي يلي أمرهم ، غير الله تعالى هو الذي له الخلق والأمر ، لا معقب لحكمه ، وليس له وزير ولا نصير ، ولا شريك ولا مشير ، تعالى وتقدس .
من العبر والعظات التي تؤخذ من قصة أصحاب الكهف ما يأتي :
1-إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن ربه عز وجل ؛ فقد بلغ عن الله عز وجل ؛ فقد بلغ عن الله عز وجل قصتهم وعددهم وصدق مكثهم ، وصدق الله تعالى إذ يقول : { نحن نقص عليك نبأهم بالحق . . . } ( الكهف : 13 ) .
2- ساق القرآن الكريم القصة مجملة ، ثم ساقها مفصلة ، وفي هذا أدب للدعاة والهداة والمرشدين ، في الاستفادة بأسلوب الإجمال ثم التفصيل .
3- بيان أن الإيمان إذا استقر في القلوب هان كل شيء في سبيله ؛ فهؤلاء الفتية آثروا الفرار بدينهم ، ولجئوا إلى ربهم راغبين في مثوبته وهدايته ؛ فأكرمهم الله ورعاهم .
4- أن يد الله مع المتقين ، ومعونته مع الصادقين ، فقد برأ هؤلاء الفتية من عبادة الأوثان ، وآثروا الكهف على كل متاع الحياة الدنيا ؛ فشملهم الله برعايته ، وأرسل عليهم النوم مدة طويلة ، وحفظ أجسامهم من البلي ، وأرسل عليهم المهابة فلم يعتد عليهم معتد ، وحفظهم من حرارة الشمس ، وبعثهم في عهد ملك صالح ، احتفى بهم وأكرمهم .
5- التواصي بالحق والصبر ، يؤدي إلى النجاح والفلاح ؛ فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق ووقفوا في وجه الباطل فاستحقوا معونة الله وبركته وتوفيقه .
6- أن مباشرة الأسباب مشروعة لا تنافي التوكل على الله فهؤلاء الفتية عندما خرجوا من ديارهم ، أخذوا بعض النقود ، وبعد بعثهم من رقادهم ؛ أرسلوا واحدا منهم ؛ ليشتري لهم طعاما ؛ وأمروه بأخذ الحيطة والحذر .
هكذا العقلاء لا يمنعهم توكلهم على الله تعالى ؛ من أخذ الحيطة في كل شؤونهم التي تستدعي ذلك .
7- إقامة أوضح الأدلة على أن البعث حق ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ، الذي بعث الراقدين من نومهم بعد مئات السنين ، قادر على إحياء الموتى يوم القيامة .
لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب ، في شأن أهل الكهف ، لعدم علمهم بذلك ، وكان الله عالم الغيب والشهادة ، العالم بكل شيء ، أخبره بمدة لبثهم ، وأن علم ذلك عنده وحده ، فإنه من غيب السماوات والأرض ، وغيبها مختص به ، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله ، فهو الحق اليقين ، الذي لا يشك فيه ، وما لا يطلع رسله عليه ، فإن أحدا من الخلق ، لا يعلمه .
وقوله : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } تعجب من كمال سمعه وبصره ، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات ، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات . ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة ، فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون ، الولي لعباده المؤمنين ، يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى ، ويجنبهم العسرى ، ولهذا قال : { مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ } أي : هو الذي تولى أصحاب الكهف ، بلطفه وكرمه ، ولم يكلهم إلى أحد من الخلق .
{ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } وهذا يشمل الحكم الكوني القدري ، والحكم الشرعي الديني ، فإنه الحاكم في خلقه ، قضاء وقدرا ، وخلقا وتدبيرا ، والحاكم فيهم ، بأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه .
{ قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) }
وإذا سُئلت -يا محمد- عن مدة لبثهم في الكهف ، وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله ، فلا تتقدم فيه بشيء ، بل قل : الله أعلم بمدة لبثهم ، له غيب السموات والأرض ، أَبْصِرْ به وأسمع ، أي : تعجب من كمال بصره وسمعه وإحاطته بكل شيء . ليس للخلق أحد غيره يتولى أمورهم ، وليس له شريك في حكمه وقضائه وتشريعه ، سبحانه وتعالى .
قوله : ( قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض ) أبلغهم أن الله أعلم من هؤلاء المتنازعين الذين اختلفوا في مدة لبثهم . والحق إنما هو فيما أخبر الله به عن هذه المدة ؛ فهو العالم بكل شيء . وما من مستور ولا مخبوء ولا مكنون في مجاهيل السماوات والأرض إلا هو معلوم لله .
قوله : ( أبصر به وأسمع ) أي ما أسمعه وأبصره .
وتقديره : أسمع به . وقد حذف اكتفاء بالأول عنه{[2799]} . والمعنى : ما أبصره بكل موجود ، وما أسمعه لكل مسموع ، فليس من أحد أبصر من الله ولا أسمع ؛ فهو لا يخفى عليه من ذلك شيء .
قوله : ( ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ) الضمير في قوله : ( لهم ) يعود على أهل السماوات والأرض . فما للعباد الذين خلقهم الله من نصير يتولى أمرهم ويدبّر شؤونهم ؛ بل الله وحده القاهر لعباده القادر على كل شيء . ( ولا يشرك في حكمه أحدا ) ليس لله في قضائه شريك ؛ بل الله وحده يحكم كيف يشاء دون معقب ولا معين{[2800]} .