نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (10)

ولما كان التقدير : فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه ، ولا تخف من شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة ، محروس بسور العزة ، دل عليه بالعطف في قوله : { وألق عصاك } أي لتعلم علماً شهودياً عزتي وحكمتي - أو هو معطوف على { أن بورك } - فألقاها كما أمر ، فصارت في الحال - بما أذنت به الفاء - حية عظيمة جداً ، هي - مع كونها في غاية العظم - في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند محاولتها ما يريد { فلما رآها تهتز } أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر { كأنها جآن } أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها ، ولا ينافي ذلك كبر جثتها { ولى } أي موسى عليه الصلاة والسلام .

ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان ، بين المراد بقوله : { مدبراً } أي التفت هارباً منها مسرعاً جداً لقوله : { ولم يعقب } أي لم يرجع على عقبه ، ولم يتردد في الجد في الهرب ، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته ، يقال : عقب عليه تعقيباً ، أي كر ، وعقب في الأمر تعقيباً : تردد في طلبه مجداً - هذا في ترتيب المحكم . وفي القاموس : التعقيب : الالتفات . وقال القزاز في ديوانه : عقب - إذا انصرف راجعاً فهو معقب .

ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة ، أجيبت بأنه قيل له : { يا موسى لا تخف } ثم علل هذا النهي بقوله ، مبشراً بالأمن والرسالة : { إني لا يخاف لديّ } أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات ، وهي وقت الوحي ومكانه { المرسلون* } أي لأنهم معصومون من الظلم ، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (10)

قوله : { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } وهذه آية كبرى من الآيات التي سخرها الله لكليمه موسى تأييدا له في دعوته ، وتصديقا لنبوته ورسالته ؛ إذ أمره ربه أن يلقي عصاه التي كانت في يده فلما ألقاها صارت حية هائلة مخوفة تضطرب وتسعى مسرعة كأنما هي جان . فتولى موسى هاربا لفرط الخوف منها ، كشأن البشر ؛ إذ يخافون من الأفاعي والحيات بالطبع الخلقي { وَلَمْ يُعَقِّبْ } يعني لم يرجع ولم يلتفت من شدة ما أصابه من الرعب والجزع ، فناداه ربه لكي يأمن ويطمئن { يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } أي لا تخش الحية فإنها لا تضرك ولا تصيبك بسوء ولا أذى فإنك في رعايتي وحفظي فأنت في مأمن من كل سوء ، فإني قد اصطفيتك لحمل رسالتي . والمرسلون ينبغي أن لا يخافوا . لأنهم في كنفي وصوني .