نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (200)

ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات{[20243]} الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب ، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعاًَ من المألوفات إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات ، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبهاً على عظمة ما يدعو{[20244]} إليه لأنه شامل لجميع الآداب{[20245]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة { اصبروا } أي أوقعوا الصبر تصديقاً لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما{[20246]} دعتكم إليه الزهراوان { وصابروا } أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة ، فلا يكونن{[20247]} على باطلهم أصبر منكم على حقكم { ورابطوا } أي بأن تربطوا في الثغور خيلاً بإزاء ما لهم من الخيول إرهاباً لهم وحذراً منهم - هذا أصله ، ثم صار الرباط{[20248]} يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول ، بل و{[20249]}تطلق على المحافظة على الطاعات ، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال : { واتقوا الله } أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له ، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته { لعلكم تفلحون * } أي ليكون حالكم{[20250]} حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء{[20251]} ، وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء{[20252]} بالنصرة على الكافرين ، المختتم به البقرة

( فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون{[20253]} }[ البقرة : 186 ] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه ، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب : هذا القرآن المصدق{[20254]} لما{[20255]} بين يديه والتوراة والإنجيل ، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكيناً{[20256]} من الله - والله عزيز{[20257]} ذو انتقام - ردّاً{[20258]} للمقطع على المطلع على أحسن وجه{[20259]} - والله أعلم بالصواب {[20260]}وعنده حسن المآب{[20261]} .

وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين ، المختتم به البقرة فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }[ البقرة : 186 ] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه ، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب : هذا القرآن المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل ، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكيناً من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردّاً للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب .


[20243]:في ظ: مراوت.
[20244]:في ظ: يدعون.
[20245]:من ظ ومد، وفي الأصل: الأدات.
[20246]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[20247]:في ظ: فلا تكونن.
[20248]:في ظ: الرابط.
[20249]:زيدت الواو من ظ ومد.
[20250]:من ظ ومد، وفي الأصل: لم يكن.
[20251]:من ظ ومد، وفي الأصل: السعداء.
[20252]:سقط من ظ.
[20253]:آية 186.
[20254]:سقط من ظ.
[20255]:زيد من ظ ومد.
[20256]:في ظ: ممكننا ـ كذا.
[20257]:سقط من مد.
[20258]:من مد، وفي الأصل وظ: وذا.
[20259]:زيد في الأصل ومد: وأبدع، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[20260]:سقط من ظ ومد.
[20261]:سقط من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (200)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) يأمر الله عباده المؤمنين أن يصبروا على الدين وتكاليفه فيلتزموا العمل بمقتضاه من غير زيغ ولا تردد . قال الحسن البصري : أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم ، وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين .

ويأمرهم الله أيضا أن يصابروا أعداء دينه في الجهاد ، أي يغالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ولا يكونون أقل صبرا وثباتا منهم . والمصابرة باب من الصبر ، وقد ذكر بعض الصبر تخصيصا لشدته وصعوبته . قال الحسن البصري في ذلك : أن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم .

ويأمروهم أيضا أن يرابطوا . والمرابطة الإقامة في الثغور ، أو هي مرابطة الغزو في نحر العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين{[678]} .

وثمة أخبار في الترغيب في المرابطة منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها " {[679]} وروى الإمام أحمد عن أبي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " حرمت النار على عين دمعت- أو بكت- خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله " {[680]} .

وقيل في معنى الرابط أو المرابطة : انتظار الصلاة بعد الصلاة . وهو قول ابن عباس وآخرين . واحتجوا بالخبر من رواية مسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطأ إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . فذلكم الرباط . فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط{[681]} .

وقوله : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي خافوه واحذروا مخالفة أمره فاجتنبوا القبائح والمنكرات لكي تفوزوا برضوانه وجناته{[682]} .


[678]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 444 والكشاف جـ 1 ص 491.
[679]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 445.
[680]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 447.
[681]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 444.
[682]:- تفسير البيضاوي ص 100، 101 وتفسير الطبري جـ 4 ص 145- 149 وتفسير الرازي جـ 9 ص 137- 161 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 437-447 والكشاف جـ 1 ص 487- 491 وفتح القدير جـ 1 ص 410 -415 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 310-326 والبيان للأنباري جـ 1 ص 237- 239.