نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، لأنهم لا علم{[18082]} لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام ، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون{[18083]} تعبداً للمنسوب{[18084]} إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه ، وذلك{[18085]} موجب لأن يدعي أن النبي دعا إلى عبادته من دون الله سبحانه وتعالى ، وذلك بعد أن أوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية{[18086]} لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام ، فنفى أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له{[18087]} ولكل من اتصف بصفته وبسياق{[18088]} هو بمجرده كاف في إبطال قولهم{[18089]} فقال{[18090]} : { ما كان } أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه { لبشر } أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما { أن يؤتيه الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { الكتاب والحكم } أي الحكمة المهيئة{[18091]} للحكم ، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم ، لأن أصلها الإحكام ، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده{[18092]} { والنبوة } وهي{[18093]} الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة ، يفعل{[18094]} الله به{[18095]} ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه{[18096]} الله بالعبادة وترك الأنداد { ثم } يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن { يقول للناس كونوا عباداً لي }{[18097]} .

ولما كان ذلك{[18098]} قد يكون{[18099]} تجوزاً عن{[18100]} قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احترز عنه بقوله : { من دون الله } أي المختص بجميع صفات الكمال{[18101]} {[18102]}إذ لا يشك عاقل أن{[18103]} من أوتي نبوة وحكمة - وهو{[18104]} بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك ، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة {[18105]}بالإبعاد عن{[18106]} هذه الدعوى ، فلم يبق لهم مستند ، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل ، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها ، فصح قطعاً انتفاؤه عنه .

ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له{[18107]} فقال : { ولكن } أي يقول { كونوا ربانيين } أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل ، والألف والنون زيدتا{[18108]} للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني ، فإن{[18109]} الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته ، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات : مات رباني هذه الأمة : { بما كنتم تعلمون الكتاب } أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له { وبما كنتم تدرسون * } فإن فائدة الدرس العلم ، وفائدة العلم العمل ، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق{[18110]} .


[18082]:في ظ: أعلم.
[18083]:من مد، وفي الأصل: تعبدا للمنشوب، وفي ظ: العبد النسوب.
[18084]:من مد، وفي الأصل: تعبدا للمنشوب، وفي ظ: العبد النسوب.
[18085]:زيد بعده في الأصل "مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على" ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها، وقد مرت بعد "كتمانهم للحق".
[18086]:من ظ ومد، وفي الأصل: المقتضى.
[18087]:زيد من مد.
[18088]:في ظ: يساق.
[18089]:في ظ: قوله.
[18090]:من ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[18091]:من ظ ومد، وفي الأصل: المهبة.
[18092]:من ظ ومد، وفي الأصل: إفساده.
[18093]:في ظ: هو.
[18094]:من مد، وفي الأصل: بفعل.؟
[18095]:زيد من ما بين ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[18096]:في ظ: اختصاص.
[18097]:زيد بعده في الأصل: إلى، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18098]:في ظ: ذاك.
[18099]:من مد، وفي الأصل: تجور عن، وفي ظ: تجوزا عني.
[18100]:من مد، وفي الأصل: تجور عن، وفي ظ: تجوزا عني.
[18101]:في ظ: أي فلا.
[18102]:في ظ: أي فلا.
[18103]:في ظ: أي فلا.
[18104]:زيد من ظ ومد.
[18105]:سقطت الواو من مد.
[18106]:في ظ: للابعاد من، وفي مد: بالابعاد من.
[18107]:في ظ: قاله.
[18108]:من ظ ومد، وفي الأصل: زيدتان.
[18109]:من ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[18110]:من مد، وفي الأصل وظ: للخالف.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

قوله تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيئين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أنه حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعاهم إلى الإسلام ، قال أبو رافع القرظي : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " {[502]} فأنزل الله في ذلك من قولهما : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) أي ما كان ينبغي ولا يستقيم لأحد من البشر أن يدعو الناس لعبادته قائلا لهم : كونوا عبادا لي من دون الله مع أنه قد آتاه الله الكتاب وهو القرآن ، وآتاه الحكم وهو العلم والفهم وشفافية البصيرة ، وكذلك آتاه النبوة مبلغا بها من الوحي أمين السماء والأرض ، فأنى لبشر كريم مفضال كهذا ، أوتي من الله هاتيك الفضائل الكبريات وأسبغ عليه من كنوز هذا الكون ما يفوق في جماله وكماله كل تصور . . . أنى لبشر فريد مميز كهذا أن يأمر الناس بعبادته من دون الله ، حاشا لله أن تصدر هذه المقالة من سيد الكائنات وإمام البشرية كافة صلى الله عليه و سلم !

قوله : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي ولكن يقول لهم كونوا ربانيين ، والرباني المنسوب إلى الرب لكونه عالما به مواظبا على طاعته مثلما يقال رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته . وهو قول سيبويه . وقيل : الربانيون هم أرباب العلم ؛ وهو جمع ومفرده رباني وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي يعلمهم ويصلحهم . وهو قول المبرد .

وقيل : الرباني هو العالم الحكيم{[503]} .

قوله : ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي أن الرسول صلى الله عليه و سلم حقيق به على أن يقول للناس : كونوا ربانيين أي علماء حكماء مستمسكين بطاعة الله .

وذلك ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي بسبب كونكم عالمين ، فإن حصول العلم والدراسة للإنسان يفضي به إلى تحصيل الربانية له . والربانية هي العلم وطاعة الله ، وذلك إذا كانت القراءة بفتح التاء في ( تعلمون الكتاب ) أما إذا كانت القراءة بضم التاء وتشديد اللام ، كان المعنى : كونوا ربانيين بسبب تعليمكم الناس الكتاب ، وبسبب دراستكم إياه ، أي كونوا علماء بسبب كونكم معلمين وبسبب كونكم تدرسون العلم{[504]} .


[502]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 377.
[503]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 123 وفتح القدير جـ 1 ص 355.
[504]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 123، 124 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 377 وتفسير الطبري جـ 3 ص 234 وفتح القدير جـ 1 ص 355.