الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (91)

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } الآية ، فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } وقد سبقت حكمة الله تعالى في قبول توبة من تاب ؟ قلنا : اختلف العلماء فيه ، فقال بعضهم : لن يقبل توبتهم عند الغرغرة والحشرجة .

قال الحسن وقتادة وعطاء : لن يقبل توبتهم لأنّهم لا يؤمنون إلاّ عند حضور الموت ، قال الله تعالى :

{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ . . . } [ النساء : 18 ]الآية .

مجاهد : لن يقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر . ابن عباس وأبو العالية : لن يقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً } أي حشوها ، وقدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ذهباً ، نصب على التفسير في قول الفراء .

وقال المفضّل : ومعنى التفسير أن يكون الكلام تاماً وهو مبهم ، كقولك : عندي عشرون ، فالعدد معلوم والمعدود مبهم ، وإذا قلت : عشرون درهماً فسّرت العدد ، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس ، فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء هو ، فإذا قلت : وجهاً أو فعلا منه فإنّك بيّنته ونصبته على التفسير ، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه ، فلمّا خلا من هذين نصب لأنّ النصب أخف الحركات فجُعل لكل ما لا عامل فيه ، وقال الكسائي : نصب ذهباً على إضمار من ، أي من ذهب كقولهم : وعدل ذلك صياماً أي من صيام .

{ وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } : روى قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به ؟ فيقول : نعم ، فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك " ، قال الله : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } [ آل عمران : 91 ] .