نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ} (27)

{ وأذن في الناس } أي أعلمهم وناد فيهم { بالحج } وهو قصد البيت على سبيل التكرار للعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة { يأتوك } أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك ، مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مخبتين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعد الموت { رجالاً } أي مشاة على أرجلهم { وعلى كل ضامر } أي هزيل من طول السير من الإبل لبعد الشقة وعظم المشقة .

ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من الجمال ، وكانت الأنثى أضعف النوعين ، فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور حكماً على الذكر الذي هو أشد بطريق الأولى ، أسند إلى ضميرها فقال معبراً بما يدل على التجدد والاستمرار ، واصفاً الضوامر التي أفهمتها " كل " { يأتين } أي الضوامر { من كل فج } أي طريق واسع بين جبلين { عميق* } أي بعيد منخفض بالنسبة إلى علو جباله . قال أبو حيان : أصله البعد سفلاً - انتهى . حفاة عراة ، ينتقلون من مشعر من مشاعر الحج إلى معشر ، ومن مشهد إلى مشهد ، مجموعين بالدعوة ، خاشعين للهيبة ، خائفين من السطوة ، راجين للمغفرة ، ثم يتفرقون إلى مواطنهم ، ويتوجهون إلى مساكنهم ، كالسائرين إلى مواقف الحشر ، يوم البعث والنشر ، المتفرقين إلى داري النعيم والجحيم ، فيا أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله حجة على بعد أقطارهم ، وتنائي ديارهم ، ممن كان موجوداً في ذلك الزمان ، وممن كان في ظهور الآباء الأقربين أو الأبعدين ! صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده ، أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار تراباً ، وما بين ذلك ، لأن الكل علينا يسير .