النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ} (27)

قوله عز وجل : { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } يعني أَعْلِمْهُم ونَادِ فيهم بالحق ، وفيه قولان :

أحدهما : أن هذا القول حكاية عن أمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم ، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قبيس فقال : عباد الله إن الله سبحانه وتعالى قد ابتنى بيتاً وأمَرَكُمْ بحجه فَحُجُّوا ، فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك داعي ربنا لبيك . ولا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم ، وقيل إن أول من أجابه أهل اليمن ، فهم أكثر الناس حجاً له .

والثاني : أن هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بحج البيت .

{ يأتوك رِجَالاً } يعني مشاة على أقدامهم ، والرجال جمع راجل .

{ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } أي جملٍ ضامر ، وهو المهزول ، وإنما قال { ضَامِرٍ } لأنه ليس يصل إليه إلا وقد صار ضامراً .

{ يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } أي بعيد ، ومنه قول الشاعر :

تلعب لديهن بالحريق *** مدى نياط بارح عميق