التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (63)

{ قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ ( 1 )شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ( 2 ) ( 65 ) } [ 63 – 65 ] .

في الآيات أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال الكفار عن الذي يدعونه سرا متذللين إليه حينما يكونون في رحلاتهم البرية والبحرية ، فيكتنفهم الظلام ، ويحدق بهم الخطر ، ويرجونه كشف ما هم فيه ، ويقطعون على أنفسهم العهد بأنهم يكونون شاكرين له معترفين بفضله إذا نجاهم ، وبالإجابة على السؤال بأن الله هو المرجى لكل ذلك وهو في يده نجاتهم من تلك الأخطار ومن كل خطر آخر . ومع ذلك فهم يشركون معه غيره في الاتجاه والدعاء في حالة السلامة والظروف العادية . وبإنذارهم بأن الله قادر على أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ، أو يجعلهم فرقا وأحزابا متباغضة متناحرة ويسلط بعضهم على بعض بالقتال والحرب . وجاءت الآية الأخيرة معقبة على ما احتوته الآيات السابقة لها منبهة إلى أن الله تعالى يقلب وجوه الكلام لهم لعلهم يفقهون مداه فيتدبرون فيما هم فيه ويرتدعون .

والآيات كما هو المتبادر هي أيضا متصلة بالسياق واستمرار في الرد على الكفار وإنذارهم . وجملة { قُلِ اللّهُ } وإن كانت تقريرا ربانيا فإنها تلهم أنها بسبيل تقرير واقع أمر الكفار الذين يعترفون بالله ويدعونه وحده مخلصين له الدين في الأخطار مما حكته آيات أخرى بصراحة أكثر مر بعضها مثل الآيات [ 40 – 41 ] من هذه السورة والآيات [ 22 – 23 ] من سورة يونس ، ومما تضمن الإلزام والإفحام والتبكيت الشديد كما هو واضح .

بعض الأحاديث الواردة في صدد الآية

{ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ }

وتعليق عليها

لقد روى المفسرون عن بعض أهل التأويل مثل مجاهد وقتادة : أن هذه الآية نزلت في أمة محمد وما كان من تفرقها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحروبها فيما بينها وتسلط الأمراء الطغاة الضالين والعبيد السفلة عليها عدا الخسف والرجم اللذين لم يقعا واللذين سوف يقعان . ورووا في صدد ذلك أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في الصحاح . ومن ذلك حديث رواه البخاري في كتاب التفسير في سياق الآية عن جابر قال : ( لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما سمع { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } أعوذ بوجهك وحينما سمع { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال أعوذ بوجهك وحينما سمع بقيتها قال هذا أهون أو هذا أيسر ) {[917]} . وحديث رواه الترمذي بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية : ( أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ){[918]} وحديث رواه أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه : ( إنها ستكون فتنة تستنظف العرب ، قتلاها في النار ، اللسان فيها أشد من وقع السيف ){[919]} . وحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه : ( قال : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي يبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد . وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة ، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من أقطارها أو من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بضعا ) . وفي رواية أبي داود زيادة هي : ( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي . وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ){[920]} . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة . اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ){[921]} .

وتعليقا على ما تقدم نقول أولا : إن الآية جزء من آيات موجهة إلى المشركين السامعين على سبيل التنديد بهم وإنذارهم . وليس في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد القول إنها نزلت في أمة محمد . والأرجح أن هذا القول قد كان تطبيقا ، ومن وحي الأحداث التي وقعت عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وعبارة الآية تسوغ هذا التطبيق الاجتهادي بالنسبة لكل سامعي القرآن في كل ظرف من المسلمين وغيرهم على سبيل الإنذار في حالة انحرافهم أو ضلالهم وبغيهم واستحقاقهم لمثل هذا العذاب الذي أنذرت به الآية سامعي القرآن الضالين البغاة مباشرة . وثانيا : إن ما جاء في الأحاديث هو من قبيل الاستدراك النبوي المنبعث من الإنذار الرباني في الآية ، وفيها صورة رائعة للشفقة النبوية على أمته من بعده ومن الحكمة الملموحة فيها التحذير والتنبيه . وهما موجهان إلى كل مسلم في كل ظرف بطبيعة الحال وفيها كشف رباني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بما سوف يكون من أحداث في أمته وقع كثير منها بعد وفاته .

وفي الأحاديث الصحيحة وعد رباني بأن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم . وفي هذا بشرى ربانية بارتداد عدوهم عنهم وعدم تمكنه منهم أبديا . ولقد وقع في مختلف حقب التاريخ الإسلامي ووعد الله حق ولسوف يتم ذلك بالنسبة للعدو اليهودي اللئيم .


[917]:التاج جـ 4 ص 98 و99 أورد الحديث الثاني ابن كثير برواية الإمام أحمد وجاء فيها أن سعد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فقال……)
[918]:المصدر نفسه
[919]:. التاج جـ 5 ص 276.
[920]:التاج ج 5 ص 275 و 276. وجملة (سنة عامة) تعني قحطا عاما أو مجاعة عامة.
[921]:التاج جـ 1 ص 39 و 40 وهناك أحاديث أخرى رواها أئمة حديث آخرون ليسوا من أصحاب الكتب الخمسة أوردها المفسرون بخاصة ابن كثير من باب الأحاديث التي أوردناها مع بعض زيادات ونقص فاكتفينا بما أوردناه.