البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا} (17)

{ وكم } في موضع نصب على المفعول بأهلكنا أي كثيراً من القرون { أهلكنا ومن القرون } بيان لكم وتمييز له كما يميز العدد بالجنس ، والقرون عاد وثمود وغيرهم ويعني بالإهلاك هنا الإهلاك بالعذاب ، وفي ذلك تهديد ووعيد لمشركي مكة وقال : { من بعد نوح } ولم يقل من بعد آدم لأن نوحاً أول نبي بالغ قومه في تكذيبه ، وقومه أول من حلت بهم العقوبة بالعظمى وهي الاستئصال بالطوفان .

وتقدّم القول في عمر القرن و { من } الأولى للتبيين والثانية لابتداء الغاية وتعلقا بأهلكنا لاختلاف معنييهما .

وقال الحوفي : { من بعد نوح } من الثانية بدل من الأولى انتهى .

وهذا ليس بجيد .

وقال ابن عطية : هذه الباء يعني في { وكفى بربك } إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم انتهى .

و { بذنوب عباده } تنبيه على أن الذنوب هي أسباب الهلكة ، و { خبيراً بصيراً } لتنبيه على أنه عالم بها فيعاقب عليها ويتعلق بذنوب بخبيراً أو ببصيراً .

وقال الحوفي : تتعلق بكفى انتهى . وهذا وهم .