أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ} (133)

شرح الكلمات :

{ وسارعوا } : المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه بدون توانٍ ولا تراخ .

{ إلى مغفرة } : المغفرة : ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها . والمراد هنا : المسارعة إلى التوبة بترك الذنوب ، وكثرة الاستغفار وفي الحديث : " ما من رجل يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ويستغفر الله إلا غفر له " .

{ وجنة } : الجنة دار النعيم فوق السموات ، والمسارعة إليها تكون بالإِكثار من الصالحات .

{ أُعِدَّتْ } : هُيّئتْ وأحضرت فهي موجودة الآن مهيّأة .

{ للمتقين } : المتقون هم الذين اتقوا الله تعالى فلم يعصوه بترك واجب ولا بفعل محرم ، وإن حدث منهم ذنب تبوأ منه فوراً .

المعنى :

لما نادى الله تعالى المؤمنين ناهياً لهم أكل الربا آمراً لهم بتقواه عز وجل ، وباتقاء النار وذلك بترك الربا وترك سائر المعاصي الموجبة لعذاب الله تعالى ودعاهم إلى طاعته وطاعة رسوله كي يرحموا في دنياهم وأخراهم . أمرهم في الآية الأولى ( 133 ) بالمسارعة إلى شيئين الأول مغفرة ذنوبهم وذلك بالتوبة النصوح ، والثاني دخول الجنة التي وصفها لهم ، وقال تعالى { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين } أي أحضرت وهيئت للمتقين والمسارعة إلى الجنة هي المساعرة إلى موجبات دخولها وهي الإِيمان والعمل الصالح إذ بهما تزكوا الروح وتطيب فتكون أهلاً لدخول الجنة .

هذا ما تضمنته الآية الأولى .

الهداية

من الهداية :

- وجوب تعجيل التوبة وعدم التسويف فيها لقوله تعالى : { سارعوا } .

- سعة الجنة ، وأنها مخلوقة الآن لقوله تعالى : { أُعدت } .

- المتقون هم أهل الجنة وورثتها بحق .

- فضل استمرار الانفاق في سبيل الله ، ولو بالقليل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ} (133)

وقوله : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) سارعوا أي بادروا ، والمسارعة بمعنى المبادرة . وفي الآية حذف . تقدير الكلام : سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة . وقيل : أداء الفرائض . وقيل : المراد الإخلاص . وقيل : التوبة من الربا . وقيل غير ذلك . والصواب أن هذه الآية تعم الجميع .

قوله : ( وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) ندب الله عباده إلى المسارعة في فعل الخيرات وتقديم الطاعات لتحصيل المغفرة من الله وللفوز بالجنة الواسعة المديدة ، الجنة الوارفة الدائمة بكل ما فيها من آلاء وخيرات ومباهج ، وبكل ما يتمناه المرء من نعيم وبهجة واستمتاع مما ليس له في تصور الإنسان نظير ولا نديد ، لا جرم أن الجنة التي وعد الله عباده المتقين لا يدركه بال قاصر ولا يتصوره ذهن محدود من أذهان البشر ، فهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه ، ومن روائه ما قدره في الوجود تقديرا .

ولا يكشف للحس البشري أو تصوره عن روعة الجنة ومبلغها من الجمال والكمال غير آيات الكتاب الحكيم في ألفاظه الباهرة الفذة من مثل قوله سبحانه : ( وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) .

ومع ذلك كل هذا المدى من روعة الكلم الذي حواه القرآن عن وصف الجنة بأسلوبه الخارق الساحر ، لا تتردد بعض العقول القميئة في إفراز ما يندلق من سخائم النقد المتهافت مما يدينها بالإفلاس وعقم التفكير . ومن جملة ذلك قول بعضهم : إذا كانت الجنة عرضها مثل عرض السماوات والأرض فأين النار ؟

فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم : " إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ؟

وذكر أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال لهم عمر : أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل ، وإذا جاء الليل أين النهار ؟ فقالوا : لقد نزعت مثلها من التوراة .

وروي عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : أرأيت قوله تعالى : ( جنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار ؟ قال : " أرأيت الليل إذا جاء ليس كل شيء فأين النهار " قال : حيث شاء الله . قال : " وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل " {[582]} قال ابن كثير في تبيين ذلك : وهذا يحتمل معنيين :

أحدهما : أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزمه من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان ، وإن كنا لا نعلمه . وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل .

الثاني : أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب فإن الليل يكون من الجانب الآخر ، فكذلك الجنة في أعلى معليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها كما قال الله عز وجل : ( كعرض السماوات والأرض ) والنار في أسفل سافلين . فلا تنتفي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار والله أعلم{[583]} .

قال الإمام الرازي في بيان ذلك : والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم ، والليل في ضد ذلك الجانب . فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل{[584]} .

وينبغي التذكير بحقيقة معقولة وهي أن رحابة الوجود أو اتساعه لا يتحدد مداه بسعة السموات والأرض ، فإن ما خلقه الله من وجود هائل ممتد لهو أكبر من حجم السماوات والأرض . وليس حجمهما إلا الجزء اليسير من حجم الوجود الكبير الذي تنطوي في خلاله الأشياء والخلائق جميعا ومنها السماوات والأرض .


[582]:- تفسير ابن كثير د، 1 ص 404
[583]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 404
[584]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 6.